
بوابة القصر الكبير :
في إطار الكتاب الجماعي الذي أشرف عليه الدكتور محمد سعيد المرتجي، والصادر عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سنة 2022، قدم الدكتور أنس الفيلالي دراسة علمية رصينة حول تاريخ الفيضانات والأوبئة بمدينة القصر الكبير خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، إلى نهاية فترة الحماية الأجنبية. وتعد هذه الدراسة أول مساهمة بحثية متخصصة تجمع بين تاريخ الكوارث الطبيعية وتاريخ الأمراض في المدينة، اعتمادا على الوثائق الأرشيفية والشهادات المحلية والمصادر الأجنبية.
تميزت هذه الدراسة بمقاربة تاريخية تحليلية تتجاوز السرد الوصفي للأحداث، لتغوص في البنيات البيئية والاجتماعية والذهنية التي ساهمت في إنتاج الأزمات وتفاقمها، مسلطة الضوء على التحولات التي عرفتها المدينة في مرحلتين حاسمتين من تاريخها المعاصر.
أولا: البيئة الطبيعية وأثرها في تشكل الأزمات
أبرزت الدراسة أن الموقع الجغرافي لمدينة القصر الكبير، القريبة من نهر نهر لوكوس والمنخفضة نسبيًا عن محيطها، جعلها عرضة لفيضانات متكررة. فقد كان النهر يفيض شتاءً، بينما تعرف المدينة جفافًا وحرارة مفرطة صيفًا، خاصة مع تأثير الرياح والأمطار المنحدرة من المرتفعات المجاورة مثل جبل صرصار.
وقد ظلت هذه الوضعية ملازمة للمدينة منذ قرون، حتى إن الذاكرة الشعبية اختزلتها في قول يُنسب إلى عبد الرحمن المجدوب: “القصر في الصيف محروق وفي الشتا مغروق”، في تعبير دالّ على المعاناة المناخية المزمنة.
كما سجل السفير البريطاني جون وندوس سنة 1721 ملاحظاته حول طبيعة المدينة المنخفضة، مرجعًا الحر الشديد والغرق المتكرر إلى موقعها الجغرافي. وهو ما يؤكد أن الفيضانات ليست حدثًا عرضيًا، بل سمة بنيوية في تاريخ القصر الكبير.
ثانيا: فيضانات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين
اعتمد الدكتور أنس الفيلالي على نصوص أرشيفية تصف مشاهد كارثية عرفتها المدينة خلال القرن التاسع عشر، حيث اجتاحت السيول المنازل والأسواق، وسقطت الأسقف والحوانيت، وغرقت المواشي، وفسدت المحاصيل الزراعية. وقد بقي الوادي أيامًا وسط المدينة، فيما احتمى السكان بالأسطح والبيوت المرتفعة أو فرّوا إلى الأطراف.
وخلال فترة الحماية الأجنبية، لم تنقطع الفيضانات، بل سجلت المدينة فيضانات خطيرة خاصة سنتي 1941 و1949. وتشير شهادات محلية، من بينها شهادة طومار راميريث أورطيث، إلى أن المياه بلغت الدكاكين وأثارت مشاعر متناقضة بين الخوف والدهشة، خاصة لدى الأطفال. ورغم فداحة الخسائر المادية، لم تسجل وفيات مؤكدة في بعض تلك الفيضانات، غير أن أثرها النفسي والاجتماعي كان عميقًا.
ثالثا: الأوبئة والأمراض بين الواقع والذهنيات
لم تكن الفيضانات مجرد كوارث طبيعية، بل كانت تمهيدًا لانتشار الأوبئة. فالمستنقعات والحفر المملوءة بالمياه الراكدة، مثل محفر حزان ومحفر هرنيستو بالمرينة، شكلت بيئة خصبة لتكاثر البعوض والحشرات الناقلة للأمراض.
وقد عرفت المدينة انتشار أمراض معدية وأوبئة دورية أثرت في بنيتها الديموغرافية والاقتصادية. ويؤكد الباحث أن المدن الهامشية، ومنها القصر الكبير، كانت أكثر هشاشة بسبب قلة الموارد وضعف البنية الصحية وانتشار الأمية والخرافات.
قبل الحماية، كانت الذهنيات المحلية تميل إلى تفسير الأوبئة بتفسيرات غيبية أو دينية، وتلجأ إلى الطقوس والأولياء طلبًا للشفاء. أما خلال الحماية الإسبانية، فقد ظهرت تدخلات صحية حديثة، منها تجفيف آلاف الهكتارات من المستنقعات وتنظيم حملات طبية، مما أحدث فجوة واضحة بين المعرفة التقليدية والمقاربات العلمية الحديثة.
رابعا: التحولات الاجتماعية والصحية
تكشف الدراسة أن الأزمات المتكررة ساهمت في:
تراجع النمو الديموغرافي خلال بعض الفترات.
تعميق الأزمة الاقتصادية نتيجة خسارة المحاصيل والممتلكات.
بروز تحولات في الوعي الصحي تدريجيًا مع دخول الإدارة الاستعمارية.
إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمجال الطبيعي.
كما تبرز الدراسة الهوة بين الثقافة المحلية والمستجدات العلمية العالمية، مما يعكس إشكالية التحديث غير المتكافئ الذي عرفه المغرب خلال تلك المرحلة.
وتعتبر مساهمة الدكتور أنس الفيلالي إضافة نوعية في مجال التاريخ البيئي والاجتماعي بالمغرب، إذ جمعت بين تحليل الفيضانات والأوبئة باعتبارهما عنصرين متلازمين في فهم تاريخ مدينة القصر الكبير. وقد نجح الباحث في إبراز تفاعل الإنسان مع المجال الطبيعي، وتحليل ردود أفعال المجتمع قبل الحماية وخلالها، مما يجعل دراسته مرجعًا أساسيا لكل باحث في تاريخ المدن الهامشية والتحولات الصحية والاجتماعية بالمغرب الحديث.
إن هذا العمل لا يوثق للماضي فحسب، بل يفتح أفقًا لفهم الحاضر، خاصة في ظل التحديات البيئية والصحية المعاصرة، مؤكّدًا أن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل أداة لتحليل البنيات العميقة التي تشكل مصير المجتمعات.