حين قررت سلمى أن تضيء الفصل، وتنقذ نفسها وتعلم من القلب …

28 ديسمبر 2025


بقلم : ذ . محمد الشدادي
((( تأتي هذه القصة لتقول: نعم، يمكننا أن نعيد الحياة إلى فصولنا، فقط إن بدأنا بزرع السعادة، في قلوبنا وقلوب تلامذتنا. هذه القصة ليست مجرد حكاية عن أستاذة وتلاميذها، بل هي صرخة ناعمة في وجه واقع تعليمي يثقل كاهل الكثير من المدرسين، ويطفئ في قلوب التلاميذ شعلة الفضول، ويحول الفصل من فضاء للمتعة والاكتشاف إلى مكان باهت، يضج بالملل، والهم، وضياع الوقت.
كتبت هذه القصة من أجل إنقاذ من أنهكهم الروتين، وأرهقهم الصمت، وأتعبهم الشعور بعدم الجدوى.
من أجل كل أستاذ وأستاذة دخلوا الفصل يوما بشغف، ثم وجدوا أنفسهم يصارعون الإحباط، ويحملون أنفسهم ذنب ما لا يطاق.
هي دعوة صادقة لإعادة اكتشاف جوهر التعليم، وللارتقاء بمهنة الأنبياء من مجرد أداء واجب، إلى رسالة تحيي الأرواح وتضيء العقول. هي تذكير بأن السعادة ليست ترفا في المدرسة، بل شرط أساسي للتعلم. وأن الفصل يمكن أن يكون واحة للفرح، لا ساحة للضجر.
في زمنٍ تزداد فيه التحديات، وتثقل المسؤوليات، تأتي هذه القصة لتقول: نعم، يمكننا أن نعيد الحياة إلى فصولنا، فقط إن بدأنا بزرع السعادة، في قلوبنا وقلوب تلامذتنا.)))
كانت الأستاذة سلمى تدخل فصلها كل صباح بقلبٍ مفعم بالنية الطيبة، لكنها كانت تخرج منه في نهاية الحصة بقلب مثقل بالحيرة والأسى. لاحظت أن معظم تلاميذها لا يشعرون بالسعادة داخل الفصل: الوجوه شاحبة، النظرات شاردة، والضحكات نادرة. لم تكن هناك بهجة في التعلم، ولا حماسة في المشاركة. كان الصمت يملأ المكان، لا لأنه احترام، بل لأنه صدى فراغ داخلي.
هذا الأمر كان يؤلمها بصدق، كانت تعود إلى بيتها وهي تعاتب نفسها: هل أنا السبب؟ هل فشلت في أن أكون مدرسة حقيقية؟ كيف كنت من الأوائل في فوجي بالمركز الجهوي للتكوين، والآن أشعر أنني لا أصلح لإدارة فصل؟
لقد تحولت أيامها من سعادة الحلم بوظيفة التعليم إلى ثقل الواقع اليومي. كانت تحلم أن تكون أستاذة تلهم، تربي، وتغير، لكن جو الفصل الخافت، والعيون المنطفئة، والروتين القاتل، بدأ يطفئ بداخلها ذلك الحلم الجميل.
شيئا فشيئا، بدأت علامات الإنهاك تظهر عليها: القلق الدائم من الحصص القادمة، الانفعال السريع من أبسط المواقف، الصداع المتكرر، الشك في الذات، وأحيانا الرغبة في الهروب من كل شيء.
قالت لنفسها ذات مساء: لو استمر حالي هكذا، لوقع لي المحظور، سأفقد نفسي، وربما أفقد شغفي، وربما صحتي، ولما لا ترك وظيفتي. عندها، قررت أن تنقذ نفسها قبل أن تنقذ غيرها. بدأت تقرأ، وتبحث، وتفتش في كتب التربية وعلم النفس، حتى وقعت على فكرة بسيطة، لكنها قوية: لا يمكن للتلميذ أن يتعلم وهو يشعر بالحزن أو الفراغ أو القلق. السعادة ليست ترفا في الفصل، بل شرط أساسي للتعلّم.
وهنا، خطر ببالها تشبيهٌ بليغ: تخيلت دماغ التلميذ كأنه عمارة كبيرة، تحتوي على العديد من الشقق، وكل شقة مزودة بالماء الصالح للشرب والتنظيف، وفي كل شقة متحكم خاص، لكن العمارة كلها تعتمد على متحكم مركزي واحد، فإذا ما تعطل هذا المتحكم، انقطع الماء عن كل الشقق، وانتشرت الميكروبات، وتكدست النفايات، وعمت الروائح الكريهة، وغابت الصحة والنظافة والجمال.. وهكذا هو دماغ التلميذ: المتحكم الأساسي فيه هو الشعور بالسعادة، فإذا شعر بالراحة والفرح، انفتحت خلاياه العصبية، وسهل عليه الفهم، وازدهر التعلم. أما إذا شعر بالحزن أو القلق أو الملل، أُغلقت تلك الخلايا، وتعطلت قدرته على الاستيعاب، وضاع الوقت، وضاع مجهود المدرس.
قالت سلمى لنفسها: لن أبدأ بتغيير طريقة الشرح، بل سأبدأ بتغيير الجو الداخلي… يجب أن أجعلهم سعداء أولا ويحسون بالمتعة داخل الفصل. تذكرت قصة قرأتها ذات يوم عن أستاذة اقترحت على تلامذتها أن يقوموا بأعمال خيرية، ثم يكتبوا عن شعورهم بعدها. فقررت أن تجرب الفكرة.
في صباح اليوم التالي، دخلت الفصل بابتسامة مختلفة، وقالت لتلامذتها: هذا الأسبوع، أريد من كل واحد منكم أن يقوم بعملين: واحد يسعدكم أنتم، وآخر يسعد شخصا غيركم. ثم تعالوا واحكوا لي كيف شعرتم بعد كل منهما.
وفي الأسبوع التالي، حدث ما لم تتوقعه، امتلأ الفصل بالحكايات والمبادرات:
أحد التلاميذ جمع ما لديه من ملابس لم يعد يحتاجها، وذهب بها إلى أسرة محتاجة في الحي. مجموعة أخرى نظمت حملة نظافة في الحي، وجمعت النفايات من الأزقة. بعضهم قاموا بصباغة جوانب الطريق، فصار الحي أكثر جمالا ونظافة. فاطمة وزميلاتها قمن بجولة على منازل الجيران لحثهم على وضع النفايات في الصناديق المخصصة، بدلا من تركها أمام الأبواب، تقديرا لعمال النظافة وتخفيفا عنهم. بعضهم تعاونوا على تنظيف مراحيض المسجد، أحد التلاميذ أحضر كتب السنوات السابقة وأهداها لزملائه المحتاجين.
بعد نجاح حملة جمع النفايات داخل الفصل، قرر التلاميذ تنظيم حملة موسعة لجمع الأوراق والأكياس البلاستيكية من ساحة المؤسسة. أما عبد الكريم، فقد أحضر عددا من القصص والروايات بعدد تلاميذ الفصل، ووزع على كل واحد قصة، واتفق معهم على تبادلها بعد الانتهاء من قراءتها، وهكذا ولدت مكتبة الفصل، وتحول التلاميذ إلى خلية تقرأ وتنتج السعادة والمعرفة، وتحس بالمتعة داخل الفصل.
وفي لفتة رمزية مؤثرة، افتتحت الأستاذة سلمى أول حصة من الأسبوع الجديد بأن حملت سلة المهملات الموجودة في الفصل، ومرت بها بين الصفوف، طالبة من التلاميذ أن يضعوا فيها ما يوجد من أوراق أو نفايات تحت الطاولات أو في القمطر، وقالت لهم بابتسامة: لنخفف اليوم عن تلك السيدة التي تنظف الأقسام كل مساء، ولنكن نحن أيضا جزءا من الجمال والنظافة. إنها التربية بالقدوة.
لقد فهمت سلمى الدرس: السعادة لا تدرس، بل تزرع. والتعلم لا يبدأ من السبورة، بل من القلب. وهكذا، عاد النور إلى الفصل، وعادت سلمى إلى حالتها المتزنة، وغادرتها الهواجس والتشكيك في قدراتها ومهاراتها، لأنها رأت بأم عينها أن السعادة حين تزرع، تثمر علما، وخلقا، وحياة.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading