
ذ. ادريس حيدر
على قمة جبل عال ، استوت قرية صغيرة ، أغلب مساكنها مبنية بالطين و مسقفة بالقصدير .
أغلب ساكنتها بَدْوٌ ، يمتهنون الفلاحة الصغيرة و المعيشية ، أبا عن جد .
من قلب القرية تظهر روابي شاسعة ، تمتد نحو الأفق .
و بمحاذاة السهول المنبسطة تقع بحيرة سد أُقِيم درءا للفيضانات التي كانت تجتاح الأراضي الفلاحية و تتسبب في أضرار تصيب الغلل و الحيوانات ، كما أنها كانت تَلحق بالمدن القريبة كذلك خسائر تتجلى في جرف الأشجار ، السيارات ، المنازل الطينية ، و أحيانا تتسبب في اختفاء بعض الأفراد ، أي موتهم غرقا .
و عندما كان يحل فصل الشتاء ، الذي يأتي في الغالب مصحوبا برياح هوجاء ، تُسمعُ أصواتها و كأنها عويل ، فيما قصدير المنازل ، يُحْدِثُ أصواتا غريبة و مزعجة ، كل ذلك يقع في ساعات متأخرة من الليل حيث يسود الصمت و يلف المكان ظلام دامس ، مما يخلق الخوف و الهلع لدى الساكنة .
كل تلك الأحوال الجوية الصعبة تنقلب إلى جمال أخاذ في فصل الربيع ، حيث تخضر تلك الروابي القريبة من الدوار ، و تنمو و تكثر الورود و الأزهار التي تزكي بشذاها و عطرها كل الأرجاء ، و تصاحبها في نفس الآن احتفالية الطيور التي تشنف الأسماع بجميل النغمات ، كما تدب الحشرات في الحقول ، معلنة هي الأخرى بتكاثرها و ظهورها ، حلول أجمل الفصول .
كانت الفلاحة المنتشرة في هذه البقاع ، صغيرة و بسيطة ، تُنتج الفواكه ، التي كان يبيعها الفلاح الصغير في أسواق و مراكز القروية القريبة .
غير أن الغلة الرئيسية في تلك الأراضي هي غلة الزيتون التي يتم عصر كميات منها لاستخراج زيته و بيعه هو الآخر .
و من أجل ذلك ، كان سكان القرية ، قد أنشأوا معصرة حجرية تقليدية ، يأمون إليها في موسم عصر الزيتون .
كان الشخص الذي يتولى هذه المهام الشاقة ، مقابل دريهمات ، غريب عن القرية ، لايُعرفُ من أين أتى .
كان قوي البنية ، طويل القامة ، يعلو الشعر كل جسده ، عيناه صغيرتان ، دميم الوجه ، لذلك كُنِّيَ من طرف السكان :” الوحش ” الغريب .
يتبع…