
ذة : فاطمة بالعربي :
نعيش اليوم مرحلة يمكن وصفها بلا مجاملة عصر الانحدار الذهني المعلَّب في فيديوهات قصيرة.
عصر صارت فيه التفاهة بطاقة عبور، والضجيج مهنة، و”المؤثر” لقب يمنح لمن يلتقط أكبر عدد من الإعجابات… لا لمن يصنع فكرة واحدة تستحق الحياة.
منصّات التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى سوق مفتوح للتفاهة ، من يصرخ أكثر يحصل على المتابعين،من يفتعل الفضائل يحصد الشهرة…ومن يتخلى عن حيائه يكبر رصيده .
المشكلة لاتكمن هنا فقط ، بل في جمهور يصفّق للعبث ،جمهور يرفع من لا يستحق، ويمنح الشهرة لمن لاينطق إلا كلاما مبتذلا.
جمهور يعيد تدوير التفاهة ويقدّمها على أنها ترفيه، ثم يشتكي من تراجع الوعي وكثرة الضجيج.
كيف نلوم “المؤثر” إذا كان أقصر طريق للشهرة هو أن لا يقول شيئا مفيدا؟وكيف ننتظر قيمة في زمن يعتبر التافه قدوة… والعاقل “مملّا”؟
للأسف أصبحنا نعيش في زمن يقدر فيه التافه… ويعاقب فيه العاقل بالصمت .
نعم، هذا هو الواقع الذي اصبحنا نعيش فيه دون تجميل..مقدم المحتوى الهابط يصبح مرجعا،وصاحب الفكر يدفع إلى الهامش لأنه لا يرقص مع الموجة.
من يتفنن في التفاهة يستضاف للتأثير ، ومن يحمل رسالة يقال له: “هادشي ما كيديرش البوز.”
لكن لكل موجة نهاية ، فالتفاهة قد تغمر السطح، لكنها لا تملك جذورا ، وكل ما لا جذور له يسقط عند أول سؤال جاد.
المحتوى الفارغ يعيش يومه، أما المحتوى العميق فيعيش سنوات وفي النهاية سيبقى التاريخ يذكر من ترك أثرا… لا من ترك ضجيجا.
لذا علينا ألا نخاف قول الحقيقة، ففي هذا الزمن، الجرأة ليست في الصراخ…الجرأة في أن تقول “لا” للتفاهة،”لا” لتقديس المشاهير الوهميين،”لا” لجمهور يختار الضحك على نفسه بدل أن يحترم عقله.
فإن لم نغيّر ذوقنا… لن يتغيّر واقعنا…
والتافهون لن يغادروا المشهد ما دام الجمهور يفرش لهم الطريق.