النهاية الصامتة لاصواتٍ كانت مدوّيًة في وداع لخليل المراكشي وبنعيسى الكداري

31 مايو 2025
Oplus_131072

– بقلم : عبد المالك العسري :

الوجع لا يقف عند حدّ الفقد، بل يمتدّ ليوقظ فينا سؤالًا موجعًا: لماذا ننسى مناضلينا؟
الخليل المراكشي وبنعيسى الكداري، بعد عمر طويل من النضال، عاشا سنواتهما الأخيرة في ظل المرض، وفي عزلة تكاد تكون قسرية، طواهما الإهمال كما تطوي الأوراق القديمة.
كانا يستحقان الالتفات، والعناية، والاعتراف في حياتهما، كما يُحتفى بهما اليوم في لحظة الغياب.
إنها ظاهرة تؤرق الذاكرة الوطنية: نسيان المناضلين بعد أن تخفت عنهم أضواء المعارك، وبعد أن يُغيبهم المرض بصمت.
وهل يكون من الوفاء أن نتركهم وحدهم في مواجهة العجز، وقد قضوا شبابهم يرفعون عنّا القهر؟
هذا التأبين ليس فقط رثاءً لروح مناضلين، بل هو صرخة في وجه النسيان، وتنبيه إلى خطيئة مجتمعية: أن نُدير ظهورنا لمن ضحوا لأجلنا، ثم لا نلتفت إليهم إلا حين يرحلون
بكل خشوع ووفاء، وبقلب ينوء بفجيعة الفقد، تودع مدينة القصر الكبير، في ظرف يومين فقط، رجلين من أنبل رجالاتها وأشدهم صلابة وصبرًا في زمن الجمر والرصاص: الخليل المراكشي وبنعيسى الكداري، مناضلان سطّرا معًا فصولًا من النضال السياسي والنقابي والتربوي، واستودعا المدينة ذاكرة حافلة بالعطاء، يصعب اختزالها في كلمات.
كلاهما من حي الباريو، ذاك الحي الشعبي العريق الذي كان مشتلا للوعي النضالي، وحاضنة لأسر آمنت بالعدالة والحرية والديمقراطية، وآزرت نضالات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية زمن المحن والملاحقات. ومنه، تفتقت العزائم، وتشكلت اللبنات الأولى لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومضوا في درب الشوك، لا يلوون على شيء سوى الكرامة.
الخليل المراكشي وبنعيسى الكداري، وجهان من معدن واحد، أبناء نفس الجيل، ونفس الحي، ونفس الحلم. جمعتهما الرفقة في النضال، كما جمعتهما القدرة النادرة على الصمود في وجه المحن، حين كان الثمن باهظًا، والتاريخ لا يرحم المترددين.
عن بنعيسى الكداري، كتب الصديق والمناضل إدريس حيدر كلمات مؤثرة، تستحضر روحه العصامية، ونفسه الطيبة، وصموده المتفرد زمن المحن. لم يكن فقط مناضلًا صامدًا، بل كان صديقًا لكل المناضلين من القاعدة إلى القيادة، إنسانًا منفتحًا على الحياة، مفعمًا بالأمل، رغم الجراح والخذلان.
ترك بصماته النضالية في الرباط، والقصر الكبير، وطنجة. لم يعرف الاستسلام، حتى حين أُقصي من التعليم سنة 1979، بسبب مشاركته في الإضراب الشهير الذي دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إبان معركة رجال التعليم والصحة. دفع الثمن، لكنه لم يحد عن الطريق.
رافق محمد السكتاوي في معاركه، وكان له توأم روح لا يغيب. وحين غاب السكتاوي، لم يتأخر كثيرًا، كأنّ الفقد أتعبه، أو كأن روحه لم تقو على العيش بعيدًا عن من تشارك معه أحلام الثورة الهادئة.
أما الخليل المراكشي، فذاكرة القصر الكبير تحفظ له تاريخًا مشرفًا من النضال الصامت، ومن التربية على القيم، والوفاء للفقراء، والبسطاء،
، وأبناء الشعب الذين آمن بهم ونذر حياته لأجلهم.
برحيلهما، تفقد القصر الكبير جزءًا من روحها، من جيلها الذي حمل المشعل في ظلمة الطريق، ومهّد السبيل لأجيال لاحقة، لعلها تواصل المسير بنفس النبل ونفس الإيمان.
نم يا الخليل، ونم يا بنعيسى، في سلام وسكينة.
لقد أديتما الأمانة، وغرسْتما ما يكفي من القيم في أرض هذا الوطن، وما زالت المدينة تحفظ وجهيكما في تفاصيل جدرانها، في صدى الشعارات التي ترددت في مقرات الاتحاد، في وجوه رفاق الدرب الذين يواصلون الحلم عنكما، وبكما.

سلامًا على المناضلين الصادقين.
.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading