
محمد أكرم الغرباو
بمحاذاة شارع محمد الخامس وسط المدينة . تراصت دكاكين الخضارين إلى جنب ( دكاكين بيع أنواع الزيتون و العسل و الجبن و السمن المعتق .. ) تقابلها القشاشين ومن وراءها حي الطرافين وهو تجمع حرفي للإسكافيين، بمدخلين الأول به مطاعم البيصار و الأكلات الشعبية و دكاكين صغيرة لبيع خبز المخابز العصرية . و المدخل الثاني به دكان مطعم صغير لايهدأ من أفواج العطشى و الجوعى . محل صغير قسمه صاحبه لجزء مخصص لإعداد الطعام و غسل الأواني ، وآخر تعرض فيه أطباق المقليات و طناجر كبيرة ، عرف صاحب المحل بأسماء و ألقاب طوال تواجده بالمدينة ، لكن ماترسخ لدى العامة إسم ” با التراخص ” قد يكون نسبة لسلعه و أكلاته و أثمنتها الرخيصة .
كنا نسترق مشاهدة الطابور من بعيد ، عشاق المطعم الشعبي كانوا من الحرفيين ، سكان الفنادق و المآوي البسيطة ، بعض فرق الأحياء بملابسهم الرياضية . و ليلا كنا نرى المتمايلون و المشردون منهم من يسدد ثمن الوجبات ومنهم من يترجل مهمهما بدعوات و كلام مبهم . يقابله أحد الأعوان بشخط و عدم رضى . و بإشارة تركه و شأنه من المعلم .
كان ” التراخص ” مفتوحا أمام كل طالب طعام .
بالفضاء العام المفتوح المقابل لدكانه ، تصطف طاولات طويلة ، تتوسطها أكواب فخارية و صحون طينية صغيرة بها ملح و توابل ( حار و كامون ) . كراسي الطاولات تعددت و اختلفت أشكالها وألوانها و أحجامها . كانت لاتهدأ ولاتستقيم لجالس . كثيرا ما مزقت سراول و جلاليب .
هكذا كنا نشاهد المشهد من بعيد و نتأمل في شخوص سحقتها الحياة و رمت بها حيت التراخص قاهر الجوع يعلمهم الرحمة و يدافع عن حكمة ” حتى حد مامات بالجوع ” . كنا نهاب و نخاف الاقتراب من بعض رواده ، وبنفس الان نتعايش معهم بالمدينة، كانت جلستهم بهذا المنزوى و إستقبال التراخص لهم و منحهم الطعام و الشراب فرصتهم للعيش و عدم إذايتهم للآخرين. لم يكونوا طالبي طعام فقط بل حكايا – كما قدمهم القاص الأديب القصري الأستاذ: عبد الواحد الزفري Abdou Zefri في مجموعته الأولى : بقايا وجوه –
محمد أكرم الغرباوي
كاتب و مخرج مسرحي