
ذة:سمية نخشى
حركة غير عادية دبت على صفحة صديقات الكورال في الواتساب ، بعد أن أعلنت إحدى الصديقات نبأ توقف الكورال بسبب مغادرة المدرب الشاب ، لتنهال الرسائل النصية مدوية الواحدة تلو الاخرى:
– علاش أختي…..
-أويلي ، ولفناه ، هو المتنفس الوحيد ديالنا.. ….
– ما يمكنش ، انا عاد ارتاحيت في القصر مللي دخلت معكم……
كنت أتابع في صمت و عن كثب المحادثات الجماعية التي كانت نبرتها تعلو بالحسرة و ببعض الانزعاج ، و كنت أشاركهن نفس القلق و أتساءل نيابة عنهن : هل هو حلم أماطته اليقظة ام يقظة أبادت حلما ، مع أنه حلم بسيط جدا و مشروع جدا، جدا
لقد وجدنا فيه ( الكورال ) ، نحن بعض نساء المدينة متنفسا مريحا ، و فضاءا ناعما مخمليا للترويج الراقي عن النفس.
سيدات الكورال ، من فئات عمرية مختلفة ، و مستويات تعليمية متباينة ، لكن التناغم و الانسجام بينهن واضح لا تخطئه العين ، هن كباقة ورد شذاها من تعدد ألوانها . يسود بينهن المرح و الدعابة مع الاحترام المتبادل و الالتزام بسلطة الكلمة الطيبة ، الشيء الذي أثلج صدري ، و جعلني متحمسة لحصصه ” رغم تغيبي أحيانا ” ،بل و استقطبت اليه بعض الصديقات العزيزات .
أما المدرب ، السي محمد بنكيران ، فهو شاب خلوق ، رصين ، متمكن من مادته الفنية و يتمتع بكاريزما عالية رغم صغر سنه . اعتبرناه إبنا لنا و أخا للشابات. بحة صوته الشجي ، خلال التدريبات ، كانت كفيلة بحملنا لعوالم روحية ترتقي بها النفس لمراتب الزهد و التصوف و لمراقي العشق الإلهي .
بهذا ، كانت الحصص ممتعة ، خاصة ، حينما يرفق إنشادنا بنقر على الطبل ، كنت أشعر معه بقشعريرة تسري في بدني و بالدماء متدفقة في عروقي ، تغذي قلبا أضناه الزمن.
في البداية ، كانت التدريبات في بناية دار الشباب 3 مارس ، ثم انتقلنا إلى دار بنجلون ، التي لم يرقني فضاؤها الذي افتقدت فيه أجواء الفصل الدراسي ، إذ يبدو أنني استطيبت ان أعود ثانية تلميذة ، أحمل كراسة و قلما و انادي ” استاذ، أستاذ…….” للاستفسار أو لطلب التوضيح.و يبدو أيضا أنني مدمنة على الطباشير و السبورة ، و هنا اصرح : “ما أسوأ العادة حين تصبح عبادة ”
ثم كان تتويج التدريبات المكثفة بمشاركة المجموعة بفقرة خلال أمسية السماع و المديح التي أقيمت بدار الثقافة ، محمد الخمار الكنوني، فكن مفاجأتها الرنانة . تربعن على
عرش المنصة بلباسهن الأبيض، و بأوشحتهن الناصعة البياض كملكات متوجات و قد التففن حول جوق الطرب الأندلسي
كعقد من اللؤلؤ المنضود ، تتوسطه سيدة الابتسامة ، عرابة المجموعة و حاضنتها التي اكن لها الكثير من التقدير الفاضلة للا ربيعة الجباري محفوفة بمايسترو الكورال و قلبه النابض ، المواظبة بلا ملل و المثابرة بلا كلل، العزيزة رجاء الجعفري.
تألقت المجموعة بشكل لافت ، فاق كل توقع ، و لاقت استحسانا من الجمهور القصري .
و لا عجب ، كن مصرات على النجاح ، فكان الانتصار حليفهن ، فلكل مجتهد نصيب ، و مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة ، الخطوة لم تكن سهلة و لا بسيطة ، ( فبعض المشاركات كن يصطحبن معهن أطفالهن خلال التدريبات ) و ثمارها كانت طيبة : كسب الثقة في النفس، تطلع للأفضل و تحدي مجتمع ذكوري أطبق على أنفاسهن عصورا و دهورا.
و ها هن ينتفضن بطريقة حضارية ، و يسمعن أصواتهن بأسلوب جميل و راقي ينسجم تماما مع هوية المدينة الصوفية ، و كأني بلسان حالهن يردد أغنية الفنان المصري محمد منير في فيلم المصير:
علي صوتك ، علي صوتك بالغنا
لسه الاغاني ممكنة ، ممكنة……..
الشيء الذي أكد لي ، أن التدريبات ، هي في حد ذاتها حصص تنمية ذاتية ، مصدر طاقة إيجابية ووسيلة لتفريغ الشحنات السلبية .
و الواضح أن الكل متحمس لعودة الأنشطة الجماعية ، و هذه من حسنات دروس وباء كورونا اللعين ، الذي فرض علينا الحجر و الانعزال ، فادركنا أن الجحيم هو أيضا ” الابتعاد عن الآخر ” و ليس هو فقط ” الآخر ” كما يقول الفيلسوف سارتر.
فمثلا الإنشاد في الكورال هو تماهي الفرد مع المجموعة ، مما يخلق شجاعة و حماسا زائدا ، و هنا أتذكر كيف كانت بعض المشاركات ، خلال التدريبات ، تتسرعن في الانتقال من مقام لآخر ، فيشهر المدرب في وجوههن، تهديدا ووعيدا بحرمانهن من اعتلاء المنصة في الأمسية المرتقبة. يتخلل كل ذلك ضحكات مشاغبة أو ابتسامات متوارية.
ثم ، بدأت تظهر ، و دائما على صفحة الواتساب ، أشكال التكافل ، فهذه تعرض خدمات الكوتشينغ ، و تلك تبدي استعدادها لتقديم أي خدمة من أي نوع كان ، و هن مشكورات.
في الأخير تمنين حظا طيبا للمدرب الشاب في أنشطته و مشاريعه الجديدة ، و أكدن أنهن على العهد باقيات ، مع إصرارهن على استمرارية الكورال و استئناف التدريبات في موعد قريب.
إلى ذلك الحين ، مني ، لصديقات الكورال أجمل التحايا، لأعضاء ” جمعية منارة القصر الكبير ” راعيته ، كل التقدير ،
للسي محمد بنكيران جزيل الامتنان و لمدينتي عشق لا ينتهي.
سمية نخشى في 02\06\2023