للأثر حكاية ” سحر الشباك “

14 مايو 2023

سمية نخشى

هو أكثر شيء استفز خيالي ، و ذلك حين ولجت قاعة كبيرة ، كانت ديوان الحكم عند سلاطين الدولة العثمانية داخل قصر ” توب كابي “، قصر السلطنة الذي أذهلني و أبهجتني رؤيته ثم حملتني لعوالم الشرق الساحرة . إنه الشباك الذي كان يتوارى خلفه السلطان سليمان القانوني ، متابعا و مراقبا كيفية تسيير رجال دولته للأمور السياسية و العسكرية ، و حين يتطلب الأمر ، فاصلا في الأمور العظيمة بإيماءة من رأسه بالموافقة أو بالرفض، فالسلطان لا يحضر كل المجالس، و لا يستقبل كل الضيوف ، بل عظمته لا تليق إلا بالأمور الجسام ، طبعا، .
ما أروع المكان ، دخلته من بابه و ركبت زمنه من شباكه ، و ما أبلغ الأثر التاريخي حين يحكي العظمة و القوة و المجد .
فما قاومت مشاعري التي انتعشت و اتقدت فرحا عند دخولي الديوان و استنشاقي نسيما عليلا، تسلل لأعماقي فتسللت منه لأجواء المسلسل التركي ” حريم السلطان ” ، الذي شغفت ، يوما، بأحداثه و ما تنازلت عن متابعته ، كما ارتسمت على محياي ابتسامة عريضة ، و انا استحضر لقطات و مواقف داعبت خيالي حينا و أججت غضبي أحيانا أخرى .
تراءى لي الترتيب لحملات عسكرية تحمل لواء الإسلام ، و الإعداد لحروب و معارك صنعت إمبراطورية تكاد لا تغيب شمسها امتدت بين أوروبا، آسيا و افريقيا . عاينت عظمة
حضارة إسلامية لا تتحدث اللغة العربية ، و لكنها خلدت حروفها و نقشتها بماء الذهب ، فأحيانا تكتب اللغة التركية بحروف عربية ، تتباهى بسطوتها و بتربعها على عرش هوية حضارة العثمانيين.
أسعدتني العبارة العظيمة التي نقشت أعلى الأبواب الشاهقة للقصر و هي ” العدل أساس الملك ” ، ليجنح بي تفكيري لثمن حفاظ السلاطين على ملكهم، فعلى جانبي باب الديوان شيدت نافورتين ، يحول خرير مياههما الرقراقة دون سماع ما يجري و يدور في الداخل ، بجانبها كان يقف حراس بكم و خرس، و هذا ما حز في خاطري و آلمني كثيرا ، فكم من الأبرياء قطعت ألسنتهم و عطلت مسامعهم ليكونوا في خدمة سلطان وضعهم حظهم العاثر في طريقه.
بجانب الديوان مباشرة ، توجد قاعة ” الأغوات ” التي حملني فضاؤها لمؤامرت و دسائس كانت تحاك بين حريم السلطان و كانوا هم أبطالها ، زينت بمجسمات لهم ،شاهدة على جريمة شنعاءكانت ترتكب في حق أطفال صغار يتم إخصاؤهم إعدادا لهم لخدمة الحريم
فأي عدل هذا ؟، و أي جبروت ذاك ؟
هذا ما ذكرني للحظة بفلسفة ” نتشه”، و بتأكيده ان التاريخ هو من صنع فئة قليلة من الأقوياء داست بسنابك خيلها الفئات الكثيرة من الضعفاء ، لهذا فالأقوياء فقط يستحقون البقاء ، من منطق ان البقاء للأقوى
ثم سرح بي خيالي في أحداث المسلسل الذي و لا شك قدم أكبر خدمة للسياحة التركية ،( و هنا تساءلت عن قيمة أعمالنا الدرامية ) قبل أن ينبهني صوت استاذي المرحوم السي محمد بن خليفة و هو يشرح لنا بطريقته المحببة و أسلوبه اللطيف كيف كان دخول السلطنة العثمانية الحرب العالمية الأولى علامة فارقة في تاريخها، فبعد خسارة الحرب بسنوات جرى توقيع معاهدة لوزان في سويسرا عام 1923 ، بين تركيا – وريثة الدولة العثمانية- و بين القوى المنتصرة في الحرب و التي رسمت حدود تركيا الحديثة ، و كانت خسارتها الحرب ذريعة القوى الأوروبية لتقاسم غنائم السلطة التي باتت تعرف” برجل أوروبا المريض “.
و كيف تمت إزاحة السلطان العثماني عبد الحميد ،من قبل الجمهوريين الأتراك بقيادة مصطفى كمال أتاتورك في مارس من عام 1924 حيث تم إلغاء الخلافة في تركيا و مصادرة جميع أملاك الأسرة العثمانية و تأميمها و كذا إعلان تركيا دولة علمانية.
تسطع شمس حضارات و تأفل أخرى ، و يبقى الأثر شاهدا على إبداعات إنسان هزمته الأحداث و لم يهزمه الزمن .
و يبقى لكل أثر حكاية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading