
سمية نخشى
هو أكثر شيء استفز خيالي ، و ذلك حين ولجت قاعة كبيرة ، كانت ديوان الحكم عند سلاطين الدولة العثمانية داخل قصر ” توب كابي “، قصر السلطنة الذي أذهلني و أبهجتني رؤيته ثم حملتني لعوالم الشرق الساحرة . إنه الشباك الذي كان يتوارى خلفه السلطان سليمان القانوني ، متابعا و مراقبا كيفية تسيير رجال دولته للأمور السياسية و العسكرية ، و حين يتطلب الأمر ، فاصلا في الأمور العظيمة بإيماءة من رأسه بالموافقة أو بالرفض، فالسلطان لا يحضر كل المجالس، و لا يستقبل كل الضيوف ، بل عظمته لا تليق إلا بالأمور الجسام ، طبعا، .
ما أروع المكان ، دخلته من بابه و ركبت زمنه من شباكه ، و ما أبلغ الأثر التاريخي حين يحكي العظمة و القوة و المجد .
فما قاومت مشاعري التي انتعشت و اتقدت فرحا عند دخولي الديوان و استنشاقي نسيما عليلا، تسلل لأعماقي فتسللت منه لأجواء المسلسل التركي ” حريم السلطان ” ، الذي شغفت ، يوما، بأحداثه و ما تنازلت عن متابعته ، كما ارتسمت على محياي ابتسامة عريضة ، و انا استحضر لقطات و مواقف داعبت خيالي حينا و أججت غضبي أحيانا أخرى .
تراءى لي الترتيب لحملات عسكرية تحمل لواء الإسلام ، و الإعداد لحروب و معارك صنعت إمبراطورية تكاد لا تغيب شمسها امتدت بين أوروبا، آسيا و افريقيا . عاينت عظمة
حضارة إسلامية لا تتحدث اللغة العربية ، و لكنها خلدت حروفها و نقشتها بماء الذهب ، فأحيانا تكتب اللغة التركية بحروف عربية ، تتباهى بسطوتها و بتربعها على عرش هوية حضارة العثمانيين.
أسعدتني العبارة العظيمة التي نقشت أعلى الأبواب الشاهقة للقصر و هي ” العدل أساس الملك ” ، ليجنح بي تفكيري لثمن حفاظ السلاطين على ملكهم، فعلى جانبي باب الديوان شيدت نافورتين ، يحول خرير مياههما الرقراقة دون سماع ما يجري و يدور في الداخل ، بجانبها كان يقف حراس بكم و خرس، و هذا ما حز في خاطري و آلمني كثيرا ، فكم من الأبرياء قطعت ألسنتهم و عطلت مسامعهم ليكونوا في خدمة سلطان وضعهم حظهم العاثر في طريقه.
بجانب الديوان مباشرة ، توجد قاعة ” الأغوات ” التي حملني فضاؤها لمؤامرت و دسائس كانت تحاك بين حريم السلطان و كانوا هم أبطالها ، زينت بمجسمات لهم ،شاهدة على جريمة شنعاءكانت ترتكب في حق أطفال صغار يتم إخصاؤهم إعدادا لهم لخدمة الحريم
فأي عدل هذا ؟، و أي جبروت ذاك ؟
هذا ما ذكرني للحظة بفلسفة ” نتشه”، و بتأكيده ان التاريخ هو من صنع فئة قليلة من الأقوياء داست بسنابك خيلها الفئات الكثيرة من الضعفاء ، لهذا فالأقوياء فقط يستحقون البقاء ، من منطق ان البقاء للأقوى
ثم سرح بي خيالي في أحداث المسلسل الذي و لا شك قدم أكبر خدمة للسياحة التركية ،( و هنا تساءلت عن قيمة أعمالنا الدرامية ) قبل أن ينبهني صوت استاذي المرحوم السي محمد بن خليفة و هو يشرح لنا بطريقته المحببة و أسلوبه اللطيف كيف كان دخول السلطنة العثمانية الحرب العالمية الأولى علامة فارقة في تاريخها، فبعد خسارة الحرب بسنوات جرى توقيع معاهدة لوزان في سويسرا عام 1923 ، بين تركيا – وريثة الدولة العثمانية- و بين القوى المنتصرة في الحرب و التي رسمت حدود تركيا الحديثة ، و كانت خسارتها الحرب ذريعة القوى الأوروبية لتقاسم غنائم السلطة التي باتت تعرف” برجل أوروبا المريض “.
و كيف تمت إزاحة السلطان العثماني عبد الحميد ،من قبل الجمهوريين الأتراك بقيادة مصطفى كمال أتاتورك في مارس من عام 1924 حيث تم إلغاء الخلافة في تركيا و مصادرة جميع أملاك الأسرة العثمانية و تأميمها و كذا إعلان تركيا دولة علمانية.
تسطع شمس حضارات و تأفل أخرى ، و يبقى الأثر شاهدا على إبداعات إنسان هزمته الأحداث و لم يهزمه الزمن .
و يبقى لكل أثر حكاية