من الجزائر إلى مدريد ونواكشوط: هل يعيد صعود المغرب رسم خريطة النفوذ الإقليمي؟ وأين تقف المنطقة من احتمال المواجهة العسكرية؟

منذ ساعة واحدة

الدكتور محمد نوفل عامر
باحث في القضايا الجيوسياسية
منسق مركز مراكش للتفكير لاستراتيجي والدراسات الجيوسياسية وتقييم السياسات

لا تُقرأ الأحداث في لحظات التحول الكبرى بمعزل عن سياقاتها، ولا تُقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من موارد وإمكانات، بل بقدرتها على التأثير في محيطها، وتوسيع شبكة تحالفاتها، وحماية مصالحها في عالم تتغير فيه موازين القوة بوتيرة متسارعة. وتتغير المواقعُ حسب التقديرات المختلفة، وقد تكون مُتباينة للفاعلين الوطنيين، وعَبْر الوطنيين تأسيسا لبرادغمات جديدة ترتبط بذهنيات الناشئة تعزيزا لمواقع نفوذ القوة الناعمة التي عوضتْ في أحيانٍ كثيرة موقع تطور الاقتصاد وقوة السلاح.
واستطاع المغرب اليوم أن ينخرط في هاته التحولات العالمية الدقيقة، وبات مغرب اليوم مناقضا لمغرب الأمس، فالمغرب الحالي ليس المغربَ الذي كان قبل عقدين. وهكذا، عزز من حضوره الدبلوماسي، وطور بنيته اللوجستية والصناعية، ووسع شراكاته الدفاعية والاقتصادية، وأصبح فاعلاً مهماً في معادلات غرب المتوسط والفضاء الأطلسي الإفريقي. كما أن علاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وشركائه الأوروبيين، ومبادراته تجاه دول الساحل والصحراء، جعلت موقعه موضع اهتمام متزايد لدى القوى الدولية والإقليمية، وتجاوز تأثيره الإقليمي، ليصبح لاعبا أساسيا في المحاور الكبرى الدولية وفي القضايا الرئيسية التي تشغل الرأي العام الدولي.
وهذا ما أفرز مشهدا إقليميا مغايرا ضمن منطقة غرب المتوسط وشمال إفريقيا، إذ تعرف المنطقة تحولات متشابكة، تتداخل فيها المنافسة المغربية الجزائرية، والخلافات المغربية الاسبانية المرتبطة بسبتة ومليلية وبقية الجزر المحتلة، وحساسية الحدود في الصحراء، والتي انطلقت مطالب مجهولة المرجعية فاقدة للشرعية والمشروعية حول شبه جزيرة الكويرة، فضلاً عن التنافس الدولي على النفوذ في الساحل والصحراء الإفريقي.
في العلاقات الدولية الموسومة بالبعد الجيو سياسي، قلما تكون هذه الأحداث معزولة عن السياق المرتبط بتطورات ملف الصحراء المغربية خصوصا بعد صدور القرار الاممي 2797، وبروز مؤشرات عديدة تؤكد قرب الإفراج عن حل نهائي لملف الصحراء في أكتوبر الجاري، فبروز هاته الاحداث الاقليمية الثلاثة تفرض بل تستحق التحليل رغم تباين عواصمها الثلاث وموقعها المختلفة: توقيف السلطات الجزائرية 61 مواطناً مغربياً، والزيارة الملكية الإسبانية إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر 2026، والتطورات المتداولة بشأن مطالب ترسيم الحدود في محيط الكويرة. لكن السؤال الأكثر أهمية يتجاوز تفاصيل هذه الملفات، فهل نحن أمام تنافس إقليمي يعيد ترتيب موازين النفوذ، أم أن المنطقة تقترب من مواجهة عسكرية مباشرة؟
1- الجزائر واعتقال 61 مغربياً… أزمة قانونية في سياق خصومة استراتيجية
أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني الجزائرية، يوم الأحد 11 أكتوبر 2026، توقيف 61 مواطناً مغربياً، وقالت إنهم ينتمون إلى شبكة كانت تستعد لارتكاب أعمال تخريبية تمس الأمن والنظام العام. ونشرت وكالة الأنباء الجزائرية الخبر استناداً إلى بيان السلطات الأمنية. ذلك أن خطورة هذه القضية تقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات: الاتهامات التي أعلنتها السلطات الجزائرية، والأدلة التي قد تُعرض أمام القضاء، والنتائج القضائية التي يمكن أن تثبت المسؤوليات الفردية، وعناصر الرواية الجزائرية عموما.
بداية، لا يجوز التعامل مع الاتهامات باعتبارها أحكاماً نهائية، كما لا يصح افتراض أن جنسية الموقوفين تشكل في حد ذاتها، دليلاً على وجود مسؤولية جماعية أو تورط جهة رسمية مغربية، مثلما تحاول السلطات الجزائرية الترويج له. لكن القضية تكتسب حساسية سياسية إضافية بسبب القطيعة الدبلوماسية بين البلدين منذ سنة 2021، واستمرار إغلاق الحدود البرية ومعها المجال الجوي، والخلاف العميق بشأن الصحراء، والتنافس على النفوذ في إفريقي، ومطامع الجزائرية الواضحة في ملف الصحراء المغربية.
ولذلك، فإن المطلوب هو كَشْفَ حقيقة الملف، وضمان الحقوق القانونية للموقوفين، وتمكينهم من الضمانات القضائية والقنصلية التي يتيحها القانون، مع تجنب تحويل القضية إلى مادة للتصعيد الإعلامي غير المسؤول خصوصا من طرف السلطات الجزائرية التي تسارع الزمن لإثبات ما لا يمكن إثباته في ظل غياب القرائن وضعف الرواية التي تفتقر للسيناريو المحبوك في وجود عناصر شكلية دون الخوض في المضمون تضعف الرواية الجزائرية سواء من حيث عدد الموقفين ومكان اعتقالهم وتوقيت اعتقال وقصة التسلل عبر الحدود التونسية.
وهي رواية وضعت جهات عديدة محط اتهام، منها السلطات التونسية وقوات أمن الحدود الجزائرية، ما يجعلنا نطرح أزيد من علامة استفهام حول هذه الأطروحة، ويؤكد صدقية بحث النظام الجزائري على مبررات لاستمرار القطيعة مع النظام المغربي الذي يعتبر الشماعة التي يعلق عليها ساكنوا قصر المرادية كل الإخفاقات التنموية في الجزائري بل وهو طاقة النجاة المستعملة منذ ازيد من عقود للنظام الجزائري من لضمان التعبئة الشعبية.
أما من منظور جيوسياسي، فإن استمرار انعدام الثقة بين الرباط والجزائر يجعل حتى القضايا الأمنية ذات الطبيعة الجنائية المحتملة عرضة للتأويل السياسي. وهذا أحد أخطر مظاهر الأزمة المغاربية، ففي ظل غياب قنوات الحوار الفعالة التي تسمح بتبديد الشكوك قبل أن تتحول إلى أزمات أوسع. ويمكن تـأويل جملة هذه الاتهامات في محاولات جماعية، قائمة على التنسيق الثلاثي وتوزيع الأدوار، لمحاولة إضعاف المغرب، واستمرار التوتر في المنطقة. ولذلك، فإن السؤال الاستراتيجي ليس فقط ما إذا كانت الاتهامات صحيحة، فهذا شأنٌ تحسمهُ الأدلةُ والإجراءات القضائية، لكن أيضاً السؤال المطروح، كيف يمكن منع مثل هذه القضايا من زيادة التوتر بين دولتين يفترض أن تكون بينهما مصالح مشتركة في الأمن والتنمية والاستقرار، فهل الجزائر ستقف في حدود الاتهام أم ستسعى الى اشعال حرب بالمنطقة بمبرر هذا الحدث؟
2- مدريد وسبتة ومليلية… زيارة ملكية في توقيت شديد الحساسية
في 13 أكتوبر 2026، بدأ الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا زيارة رسمية إلى سبتة لتشمل مدينة مليلية يوم 14 أكتوبر، وفق الأجندة المنشورة على الموقع الرسمي للقصر الملكي الإسباني. وهي أول زيارة للملك إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش سنة 2014، وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة من منظور العلاقات المغربية الإسبانية، بالنظر إلى الموقف المغربي من السيادة على المدينتين، وإلى السياق الذي تأتي فيه، بعد أزمة الهجرة الواسعة التي شهدها الثغرين المحتلين في يوليو الماضي.
وقد نقلت رويترز أن أكثر من 72 ألف مهاجر دخلوا سبتة خلال تلك الأزمة، وأن تداعياتها أثارت جدلاً سياسياً في إسبانيا بشأن مسؤولية الأطراف المعنية بالتدبير الحدودي. كما أن الرباط نفت مسؤوليتها عن تنظيم تلك الأحداث أو حتى التأثير، وأرجعتها إلى عوامل من بينها التضليل الإعلامي وشبكات تهريب البشر وتأويلات قانونية لقرار قضائي إسباني.
وتأتي الزيارة أيضاً في ظل نقاش حول مستقبل التعاون في مجال الهجرة، ففي خطاب جلالة الملك بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية في أكتوبر الجاري، اعتبر الملك محمد السادس أن النموذج الحالي للتعاون المغربي الإسباني في هذا المجال بلغ حدوده، ودعا إلى مقاربة جديدة تقوم على التنمية المشتركة وتعزيز المصالح المتبادلة والاستقرار الإقليمي.
ومن الناحية السياسية، تمثل الزيارة تأكيداً إسبانياً على ارتباط المدينتين بالمؤسسات الإسبانية، في حين يظل الموقف المغربي متمسكاً بمطالبته بالسيادة عليهما. لكن ينبغي الانتباه إلى أن الزيارة الملكية الاسبانية، رغم رمزيتها السياسية، لا تعني بذاتها أن إسبانيا تستعد لمواجهة عسكرية مع المغرب، فالتحركات الرسمية قد تحمل رسائل سياسية وسيادية داخلية، دون أن تكون إعلاناً عن تغيير عسكري في الوضع القائم. وهنا تظهر معضلة العلاقات الثنائية، فكيف يمكن الحفاظ على شراكة استراتيجية تشمل التجارة والأمن والهجرة والطاقة، في الوقت الذي يستمر فيه خلاف سيادي تاريخي؟
إن التحدي أمام الرباط ومدريد هو تجنب تحويل الخلاف إلى أزمة شاملة، فالتعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين كبير، كما أن أي تصعيد حاد ستكون له انعكاسات على حركة التجارة والاستثمار والهجرة والأمن البحري في غرب المتوسط. لكن هذا التحرك يعد استجابة واضحة لليمين الإسباني الذي دعا أكثر من مرة لتعزيز السيادة على الأراضي المغربية المحتلة، وهو الذي يعلن دائما مواقف مناكفة للمصالح المغربية سواء الحقوق التاريخية للمغرب في الثغرين المحتلية والجزر المحتلة، أو مواقف داعمة للانفصال بالصحراء وهو ما عبر عنه صراحة بعد الموقف الإسباني الأخير الداعم لمغربية الصحراء والتي أعلنت عنه الحكومة الاشتراكية بقيادة بيدرو سانشيز.
أضف إلى ذلك التوجس الإسباني الصريح من تصاعد القوة الاقتصادية والعسكرية للمغرب، وتعزيز الشراكة المغربية الأمريكية، وتقوية التعاون الاستراتيجي المغربي الإسرائيلي، مما أفرز إجراءات متعددة صادرة عن بنية النظام الاسباني، تلت زيارة رئيس الحكومة الاسبانية لكل من الجزائر وموريتانيا تؤكد التنسيق الثلاثي المناهض للمصالح المغربية. ما يجعلنا أمام سؤال صريح: هل تبحث إسبانيا عن شراكة موثوقة مع المغرب أم تحتاج الى شريك يضمن فقط المصالح الاسبانية في جنوب المتوسط؟
3- موريتانيا والكويرة… هل تلوح أزمة حدودية جديدة؟
تستحق التطورات المتداولة بشأن اللغط المتزايد تجاه الكويرة والحدود في محيط الصحراء متابعة دقيقة، خصوصاً في ظل حساسية المنطقة وتشابك ملفات السيادة والتسوية السياسية والحدود الدولية… حيال ذلك، فبمجرد الحديث عن آلية فنية أو لجنة حدودية، لا يثبت تلقائياً وجود مطالبة موريتانية بالسيادة على الكويرة، ولا يكفي القول بأن نواكشوط تتجه إلى مواجهة سياسية أو عسكرية مع الرباط، خصوصا وأن العلاقات المغربية الموريتانية ذات أهمية استراتيجية، بالنظر إلى الجوار الجغرافي، والتبادل التجاري، والروابط الإفريقية، وموقع البلدين في معادلات الساحل والصحراء والمحيط الأطلسي.
كما أن موريتانيا تتعامل مع بيئة إقليمية معقدة، تتداخل فيها اعتبارات الأمن الحدودي، وحركة التجارة، والتهديدات العابرة للحدود، والتطورات المرتبطة بملف الصحراء. ومن ثمة، فإن أي تطور يتعلق بالحدود ينبغي أن يُعالج من خلال الوثائق الرسمية والقنوات الدبلوماسية، لا عبر الاستنتاجات المتسرعة أو الخطابات التي قد تضر بعلاقة الجوار. أما من الناحية الاستراتيجية، فإن أهمية الكويرة لا ترتبط فقط بمساحتها الجغرافية، بل بموقعها ضمن المجال الساحلي الأطلسي، وبما قد يترتب على تطورات الصحراء من آثار على ترتيبات الحدود والأمن والتجارة في المنطقة.
ولذلك، فإن المطلوب هو اليقظة القانونية والدبلوماسية، مع الحرص على عدم تحويل كل نقاش فني أو سياسي إلى أزمة بين المغرب وموريتانيا، ما لم تثبت الوقائع الرسمية وجود خلاف فعلي من هذا النوع. فالتخوف الموريتاني معروف الأسباب، فموقع الكويرة المحاذي لأهم الموانئ الموريتانية الذي يعد المنفذ البحري للخام الموريتاني من الحديد، كما أن مدينة نواذيبو تصنف الشريان الاقتصادي الأول لموريتانيا، فأي تطور تنموي بالكويرة قد ينعكس سلبا على الاقتصادي الموريتاني عامة. خصوصا وأن أصوات تتعلى من داخل الطبقة السياسية الموريتانية، تؤكد على ضرورة التنسيق بين البلدين الجارين في أي تصور تنموي علما أن مصادر إعلامية أكدت وجود شراكة مغربية إماراتية لتحويل الكويرة إلى قطب اقتصادي ولوجستي في المنطقة تفعيلا التوجيهات الملكية المتعلقة بالتنمية في منطقة الساحل والصحراء.
إن موقع الحياد الذي وضعت فيه موريتانيا نفسها من ملف الصحراء جعلها أكثر مسؤولية عن إيجاد حل في الصحراء بعيدا عن مقاربة الابتزاز والضغط، خصوصا في ظل التحولات الإقليمية التي تعزز من موقع المغرب وتجعل موريتانيا امام خيرات تاريخية غير قابلة للتجزيئ. فهل تتمكن موريتانيا من تجاوز اختياراتها الرمادية وتقف اليوم في صف الشرعية والمشروعية وتحاول البحث عن سبل ديبلوماسية واضحة لطرح توجساتها؟
4- لماذا يكتسب صعود المغرب أهمية استراتيجية متزايدة؟
ولفهم هذه التطورات، لا بد من الانتقال من تفاصيل الأحداث إلى الخريطة الجيوسياسية الأوسع، حيث يمتلك المغرب موقعاً استثنائياً عند ملتقى أوروبا وإفريقيا، وعلى مقربة من مضيق جبل طارق، مع امتداد الأطلسي ما يمنحه إمكانات مهمة في مجالات التجارة والطاقة والربط اللوجستي. وقد عزز ميناء طنجة المتوسط موقع المملكة في سلاسل الإمداد العالمية، بالتوازي مع نمو صناعات السيارات والطيران، وتطور قطاع الأسمدة، والاستثمار في الطاقات المتجددة، وتوسيع العلاقات الاقتصادية مع إفريقيا.
وعلى المستوى الدولي، تشكل الشراكة مع الولايات المتحدة أحد أعمدة السياسة الخارجية المغربية. كما يتيح التعاون الدفاعي والتدريب المشترك وتبادل الخبرات للمملكة توسيع قدراتها وتعزيز حضورها في قضايا الأمن الإقليمي. وعلى المستوى الإفريقي، تبرز المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس سنة 2023 الرامية إلى تمكين دول الساحل غير المطلة على البحر من الوصول إلى البنية التحتية والموانئ الأطلسية. وهي مبادرة ذات أبعاد اقتصادية ولوجستية وسياسية، يمكن أن تعزز ارتباط دول الساحل بالمجال الأطلسي المغربي إذا توافرت شروط التنفيذ والتمويل والأمن.
في المقابل، تسعى الجزائر إلى حماية موقعها الإقليمي، وتعزيز حضورها في الساحل، وتوظيف مواردها الطاقية وشراكاتها الدفاعية والدبلوماسية في محيطها الإفريقي. وقد تناولت تحليلات دولية هذا التنافس باعتباره جزءاً من خلاف أوسع حول الصحراء، والتحالفات الدولية، والتوجهات الدفاعية، وشبكات النفوذ في المنطقة. لكن من الضروري التمييز بين وجود تنافس استراتيجي موثق وبين الادعاء بأن كل تحرك لدولة مجاورة يستهدف المغرب مباشرة، فالعلاقات الدولية تتسم بتعدد المصالح، وقد تتنافس الدول في ملف وتتعاون في ملفات أخرى. وتأسيسا على ذلك، فإن صعود المغرب قد يدفع بعض الأطراف إلى إعادة تقييم خياراتها، في حين أن إثبات وجود تخوفات محددة يتطلب الاستناد إلى تصريحات رسمية أو وثائق أو تحليلات موثوقة، وليس إلى افتراض النوايا.
5- السؤال الحاسم… هل يمكن أن تقع مواجهة عسكرية؟
هذا هو السؤال الأكثر حساسية، والأكثر حاجة إلى التحليل البعيد عن التهويل. ويتمثل الجواب مختصرا وبكل بساطة، أَنْ “نعم” لا يمكن استبعاد التصعيد العسكري في المنطقة بصورة مطلقة، لكن الوقائع المتاحة لا تكفي للجزم بأن مواجهة عسكرية مباشرة ستنشب بين المغرب والجزائر، أو بين المغرب وإسبانيا، أو بين المغرب وموريتانيا. ولفهم ذلك، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من المخاطر:
المستوى الأول: استمرار التوتر السياسي والدبلوماسي؛
هذا هو السيناريو الأكثر احتمالية بفعل مؤشرات واضحة، سواء في العلاقات المغربية الجزائرية، أو في الخلاف بشأن سبتة ومليلية، أو في الملفات المرتبطة بالصحراء. وقد يتجلى في التصريحات المتبادلة، والإجراءات الدبلوماسية، والتنافس الاقتصادي، وتعزيز الاستعدادات الدفاعية.
المستوى الثاني: حادث أمني أو عسكري محدود؛
قد ترتفع المخاطر إذا وقع حادث حدودي، أو احتكاك بحري، أو تطور ميداني في منطقة متنازع عليها، أو سوء تقدير لإشارة عسكرية أو سياسية. وفي مثل هذه الحالات، قد يؤدي غياب التواصل المباشر إلى تضخيم الحادث وتحويله إلى أزمة أوسع. لكن وقوع حادث محدود لا يعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة؛ إذ يمكن احتواؤه إذا توافرت قنوات الاتصال والوساطة والقدرة على ضبط التصريحات والتحركات.
المستوى الثالث: مواجهة عسكرية مباشرة واسعة النطاق؛
هذا السيناريو أكثر خطورة، ولا يمكن استنتاج قرب وقوعه من مجرد تصاعد الخطاب السياسي أو ارتفاع الإنفاق الدفاعي. فهو يرتبط بمجموعة من العوامل، منها طبيعة القرارات السياسية، ووجود حوادث ميدانية متكررة، ومدى فاعلية قنوات الاتصال، وتقدير كل طرف لكلفة التصعيد ومكاسبه المحتملة. وفي الحالة المغربية الجزائرية، يظل النزاع حول الصحراء والقطيعة الدبلوماسية والتنافس الإقليمي عناصر ضغط مهمة. كما أن استمرار التوتر العسكري في محيط الصحراء يرفع مخاطر سوء التقدير.
وقد تناولت تحليلات متخصصة هذه المخاطر، مع التأكيد على أن استمرار التنافس لا يعني حتمية الحرب. أما مع الجارة إسبانيا، فإن الخلاف بشأن سبتة ومليلية يمكن أن يولد أزمات سياسية ودبلوماسية حادة، في ظل التوظيف السياسي والانتخابي، لكن المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة تجعل إدارة الخلاف وتجنب المواجهة مصلحة مهمة للطرفين. وفي العلاقة مع موريتانيا، يبقى غياب دليل رسمي واضح على وجود مطالبة سيادية جديدة بالكويرة يجعل من غير المنهجي بناء توقعات عن نزاع عسكري على أساس تقارير غير مكتملة أو تأويلات إعلامية. والخلاصة أن الخطر الأكثر واقعية الذي ينبغي مراقبته هو التصعيد التدريجي وسوء التقدير، وليس افتراض أن حرباً شاملة باتت حتمية أو وشيكة.
سادساً: كيف ينبغي للمغرب أن يتعامل مع هذه المرحلة؟
إن حماية المصالح المغربية لا تتحقق بالتصعيد اللفظي، بل بتكامل مجموعة من الأدوات أهمها:
تعزيز الدبلوماسية الاستباقية، عبر متابعة التطورات الأمنية والقانونية والسياسية، وتفعيل قنوات التواصل مع الشركاء، والتمييز بين الخلافات القابلة للتفاوض والقضايا التي تتطلب موقفاً سيادياً واضحاً؛
مواصلة تطوير الاقتصاد الوطني والصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية، لأن القوة الاقتصادية المستدامة تمنح الدولة قدرة أكبر على حماية مصالحها وتحمل الضغوط الخارجية؛
تعزيز القدرات الدفاعية في إطار عقيدة دفاعية واضحة، مع إعطاء الأولوية للجاهزية والتكوين والتكنولوجيا وحماية المجال الوطني، دون الانجرار إلى سباق غير محسوب يستنزف الموارد اللازمة للتنمية؛
توسيع الشراكات الدولية مع الولايات المتحدة وأوروبا وإفريقيا، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني وتجنب الارتهان لمحور دولي واحد؛
التعامل مع الجزائر وإسبانيا وموريتانيا وفق خصوصية كل علاقة، وعدم جمع ملفات مختلفة في رواية واحدة لا تدعمها الأدلة. فالمنافسة لا تلغي إمكانية التعاون، كما أن الخلاف لا يعني بالضرورة العداء الشامل؛
وأخيراً، تعزيز الجبهة الداخلية عبر الاستثمار في التعليم والصحة والتشغيل والعدالة المجالية وتنزيل الدولة الاجتماعية التي دعا اليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، لأن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي يشكلان أساساً من أسس القوة الاستراتيجية للدولة.
خاتمة
يتواتر تساؤل مشروع يطرحه أي مهتم بالشأن المتوسطي، أو الجيوسياسي في منطقة الساحل والصحراء، فهل يعيد صعود المغرب رسم خريطة النفوذ الإقليمي؟ وتكمن جزئيات الجواب في أن المغرب يواجه مرحلة دقيقة، لكنها تحمل في الوقت نفسه فرصاً مهمة. فموقعه الجغرافي، وشراكاته الدولية، وحضوره الإفريقي، وقدراته الاقتصادية، تمنحه إمكانات متزايدة للتأثير في معادلات غرب المتوسط والساحل والصحراء. غير أن هذه المكانة لا تعني أن كل خلاف مع الجيران هو مؤامرة، ولا أن كل توتر يمهد لحرب، ولا أن التفوق في مجال واحد يكفي لضمان الأمن والاستقرار.
وتكمن القوة الاستراتيجية الحقيقية في القدرة على الجمع بين الحزم والحكمة، وبين الدفاع عن المصالح والانفتاح على التعاون، وبين تطوير القدرات الوطنية وتجنب المغامرات غير المحسوبة. أما احتمال المواجهة العسكرية، فينبغي التعامل معه بجدية من دون تهويل، فالحرب ليست قدراً محتوماً، والتصعيد ليس مساراً لا رجعة فيه، كما أن الاستقرار لا يتحقق بمجرد تجاهل الخلافات. وهكذا، فإن التحدي الأكبر أمام المغرب ليس فقط حماية موقعه في موازين القوى، وإنما تحويل صعوده إلى مشروع مستدام للأمن والتنمية والتأثير الإقليمي، بما يحفظ سيادته، ويصون مصالح مواطنيه، ويمنح المنطقة فرصة لتجنب مواجهة ستكون كلفتها باهظة على الجميع.
في ظل القيادة الحكيمة لجلالة الملك، يظل الالتزام الجماعي لمختلف الفاعلين، مؤسساتٍ وأحزابًا سياسيةً وهيئاتٍ مدنيةً وقوى مجتمعيةً حية، ضرورةً استراتيجيةً لضمان استمرارية التعبئة واليقظة، والانتقال من منطق الوعود إلى منطق القرارات الواضحة والإجراءات الملموسة. فمن شأن هذا الالتزام أن يخلق دينامية مجتمعية متجددة، ويعزز جاهزية المجتمع بمختلف مكوناته للانخراط المسؤول في الدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى.
كما أن تعزيز هذه التعبئة المجتمعية من شأنه أن يمنح الدبلوماسية الشعبية أدوارًا أكثر فاعلية، باعتبارها رافعةً مكمّلةً للدبلوماسية الرسمية، التي راكمت نجاحات مهمة في الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة، وتوسيع دائرة الدعم الدولي لمواقفها داخل المنظمات والمحافل الدولية. فالدبلوماسية الرسمية، مهما بلغت نجاعتها، تزداد قوةً وتأثيرًا حين تسندها دبلوماسية شعبية واعية، وتعبئة وطنية مسؤولة، وقدرة جماعية على تحويل الإجماع حول الثوابت الوطنية إلى مواقف ومبادرات ومرافعات مؤثرة على المستويين الدولي والشعبي.
وبذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تثمين المكتسبات المحققة، بل في صيانتها وتعزيزها، من خلال استدامة اليقظة، وتوحيد الجهود، وترسيخ التكامل بين العمل المؤسساتي والتحرك المجتمعي، بما يخدم الوحدة الترابية للمملكة ويعزز مكانتها الإقليمية والدولية.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading