
ذ : ادريس حيدر
لا زلتُ أتذكر أن المناضلين اليساريين ، كانوا و بمناسبة خوضهم لمعارك فارقة و حاسمة دفاعا عن الوطن ، أنهم كانوا يتعرضون للاعتقالات حيث يُزج بهم في السجن بمقتضى عقوبات حبسية نافذة ، و يُطردون من العمل ، و يُشردون ، و يُجَوَّعون ، و يُنْفَوْن ، و كان ذلك في فترة صعبة و حرجة من تاريخ المغرب و التي اصْطُلِحَ عليها ب” سنوات الجمر و الرصاص ” يُرددون العبارة التالية :
” هذه ضريبة النضال …” .
مناسبة هذا الاستهلال ، هو الإضراب الملحمي الذي يخوضه المحامون ، و الذي استمر لما يزيد عن 100يوم ، و الذي جعلهم يعانون ماديا و معنويا ، لكثرة تحملاتهم و التزاماتهم المهنية و العائلية ، التي عليهم الإيفاء بها ، و هي لا محالة ضريبة حتمية للنضال .
و في وقفة تقييمية لجمعية هيآت المحامين بالمغرب ، محاولة منها قراءة الوضع ، و اتخاذ القرار المناسب ، و استشراف آفاق المستقبل ، أصدرت بيانا بتاريخ : 18| 08|2026، أهم ما جاء فيه :
1 – التذكير بأن الإضراب الذي يخوضه المحامون ليس دفاعا عن مصالح فئوية ، بل هو دفاع عن موقع المحاماة في دولة الحق و القانون و العدالة في البلاد .
2 – إن المكانة التي تحتلها المحاماة في قلب منظومة العدالة تقتضي من المتدخلين السياسيين تركها في منأى عن أي صراع سياسي .
3 – تُسجل الجمعية التعامل باستخفاف مع قانون بحجم قانون مهنة المحاماة ، و الذي تميز برفض مطلق لمضامينه من طرف كل المهنيين ، و أن إحالته على المحكمة الدستورية مشوبا بإخلال شكلي غير مفهوم .
4 – اعتبار أن قانون مهنة المحاماة ليس إشكالا في مدى دستورية نصوصه من عدمها ، بل هو إشكال مهني و انعدام تشاركية حقيقية و عدم وفاء الحكومة بالتزاماتها ، و هو كذلك إشكال ضرب استقلالية المحامي و حصانته و تدخل سافر في التنظيم الذاتي للمهنة .
و انتهى البيان بناء على التقعيد المشار إليه أعلاه إلى :
[ الاستمرار في التوقف عن تقديم الخدمات المهنية ، مع تنزيل كافة الخطوات النضالية التصعيدية و تفعيل مختلف الأشكال الاحتجاجية، إلى حين اجتماع استثنائي لمجلس الجمعية بتاريخ :05|09|2026.] .
فماهي ، يا ترى ، العناصر و المعطيات المهمة التي يمكن استخلاصها من هذا البيان ؟
& إن الاستمرار في الإضراب يفرض نفسه ، أمام عدم تحقيق أي مكسب منه ، بمعنى أن الطرف الآخر ( الدولة / الحكومة) لازال متماديا في غيه بعدم الاستجابة إلى مطالب جسم الدفاع و بالخصوص طلب سحب القانون
& حتى تخريجة إحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية ، كانت مشوبة بعيوب تثير الشك و الريبة ، و محاولة إثارة مناقشات قانونية تفضي إلى حلول قانونية أخرى ، لم تتم و لم يُشرع في تنفيذها لحد الآن .
& إن الموقف الذي اتخذته الجمعية و دعت له ، يجعل المتتبع يفترض لو أن الجمعية أهابت بجمهور المحامين إلى وقف الإضراب و العودة إلى ممارسة العمل ، دون تحقيق أي نتيجة إيجابية تُذكر ، لاعْتُبًرَ الأمر ضربا من العبث أو انتحارا مهنيا و إجرائيا .
& إن المخاطب في هذه المعركة هي الحكومة الحالية ، و هذه الأخيرة لم يفضل في عمرها الوظيفي إلا بضعة أيام ، لأن الانتخابات التشريعية التي ستفرز حكومة جديدة ستجري يوم : 23| 09| 2026 . .
، و هي فترة العطلة القضائية السنوية ، و بالتالي فالمناداة بالعودة للعمل يُعتبر هزيمة واقعية مُذِلة و انتكاسة بطعم المرارة .
يقينا أن جمعية هيآت المحامين بالمغرب ، عندما تلتئم في شخص أجهزتها ، فهي غالبا ما تتوفر على معطيات و معلومات جيدة ، كما أن أجهزتها هي خليط من محامين قيادمة و مخضرمين و شبابا ، و بالتالي فدأبهم جميعا هو الدفاع المستميت عن المهنة و النضال من أجل صون كرامة المحامي و حصانته و استقلاله ، مع ما يصاحب ذلك من التشبث و الدفاع عن القيم الفضلى و على رأسها النضال من أجل تكريس دولة الحق و القانون .
و من تم يمكن اعتبار دعوة الجمعية ، للمحامين بالاستمرار في الإضراب ، عمل تكتيكي ، الهدف منه ربح بعض الوقت ، من أجل توفير ظروف أكثر ملاءمة للتفاوض مع الحكومة الجديدة الاي ستنبثق عن الانتخابات التشريعية المنتظرة .
و بالتالي فالزمان ليس للمزايدات السياسوية أو غيرها ، أو للفتن ، أو للخصام و شق الصفوف ، بل هو للوحدة و التآزر و التضامن مع الاستعداد لمواجهة كل السيناريوهات المقيتة و السيئة المحتملة .
و تلك هي ضريبة النضال .
إن الملحمة النضالية التي يخوضها المحامون ، تجعلنا نردد مقولة أصبحت خالدة و جاءت على لسان :” هامليت” في مسرحية ” هامليت” لصاحبها العبقري : ” ويليام شكسبير ” ، و قد تصلح لأن تكون شعارا لهذه الممانعة الاستثنائية :
” إما أن نكون أو لا نكون ”
” To be or not to be “