مصطفى الشريف الطريبق… شاعر حمل همَّ الكلمة وذاكرة المدينة

منذ ساعتين

بقلم: أمينة بنونة

هناك رجال يرحلون بأجسادهم، لكن كلماتهم تبقى شاهدة على حضورهم. ومن هؤلاء الشاعر والأديب والمؤرخ مصطفى الشريف الطريبق، أحد أبرز الوجوه الثقافية بمدينة القصر الكبير، الذي جمع بين التربية، والأدب، والعمل الوطني والجمعوي، فترك بصمة واضحة في المشهد الثقافي المحلي والوطني.
وُلد مصطفى الشريف الطريبق بمدينة القصر الكبير سنة 1944، وتلقى تعليمه الأول بكتاب الفقيه الجباري، حيث حفظ القرآن الكريم، قبل أن ينتقل إلى مدرسة المرحوم الخباز الحرة، ثم إلى المدرسة الأهلية الحسنية. ومنذ سنواته الدراسية الأولى، ظهرت موهبته في الإلقاء والبيان، حين اختير لإلقاء كلمة باسم التلاميذ في حفل عيد العرش، وهو لا يزال في المستوى الثاني ابتدائي، فلفت الأنظار بفصاحته وتميزه، وكانت تلك أولى الإشارات إلى شخصية أدبية واعدة.
واصل مسيرته التعليمية حتى حصل على الشهادة الثانوية، ثم اشتغل معلماً، قبل أن يتخرج من المركز التربوي الجهوي بالقنيطرة أستاذاً، ليتدرج بعد ذلك في المسؤوليات التربوية، من أستاذ إلى حارس عام، ثم مديراً لمؤسسات تعليمية، وظل طوال مساره مؤمناً برسالة التربية ودورها في بناء الإنسان.
ولم يكن عطاؤه مقتصراً على المجال التربوي، بل انخرط مبكراً في العمل الوطني والسياسي والنقابي، وكان عضواً نشيطاً في الشبيبة الاستقلالية، كما تحمل مسؤولية الكاتب العام للاتحاد العام للشغالين، وعمل مراسلاً لجريدة “العلم”، واشتهر بقلمه الرصين وحرصه على خدمة قضايا مجتمعه.
وفي المجال الثقافي، كان مصطفى الطريبق شاعراً وأديباً وكاتباً، أغنى المكتبة المحلية بعدد من المؤلفات والدواوين الشعرية، من بينها: “سنابل وأعاصير”، و“إعدام البراءة حول فلسطين”، و”ترانيم السجى”، إلى جانب كتب تاريخية وأدبية تعكس اهتمامه بتاريخ المنطقة وذاكرتها. كما كان من المؤسسين لجمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير، وأسهم في إصدار العديد من الكتب والدراسات التي خدمت تاريخ المدينة وتراثها.
وقد أجمع من عرفوه على أنه كان صاحب قلم سيال، وحضور ثقافي متميز، ووفاء نادر للكلمة وللمدينة التي أحبها. فكان مشاركاً في الندوات والمحاضرات، ومواكباً للحركة الثقافية، ومدافعاً عن مكانة الشعر والأدب في زمن التحولات.
لقد كان الراحل مصطفى الشريف الطريبق واحداً من أبناء القصر الكبير الذين آمنوا بأن الثقافة مسؤولية، وأن الكلمة الصادقة قادرة على حفظ الذاكرة وصناعة الوعي. لذلك سيظل اسمه حاضراً في سجل المبدعين الذين خدموا مدينتهم بإخلاص، وتركوا للأجيال إرثاً أدبياً وثقافياً يستحق التقدير.
رحم الله الشاعر والأديب مصطفى الشريف الطريبق، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علم وأدب وإبداع في ميزان حسناته، وجزاه خير الجزاء عن مدينته ووطنه.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading