قراءة نقدية أدبية للكاتبة سلوى الفيلالي في نص: مرافىء الضوء للشاعرة الزهرة الحميمدي.

23 يونيو 2026

بوابة القصر الكبير :

  • النص :
    مَرَافِئُ الضَّوْء
    عَلى رَصِيفِ الشوق
    والحَنِين،
    تَقِفُ السُّفُنُ المُتْعَبَةُ
    من سفر طويل
    تَنْفُضُ عَنْ أَشْرِعَتِهَا سَدِيمَ المَتَاهَاتِ
    وَرَذَاذَ المَوْجِ العَنِيد،
    ​فِي مَرَافِئِ الضَّوْء،
    يَنْسَكِبُ النُّورُ
    كَمِيلادِ قَصِيدَة،
    يمسح عَنْ جِبَاهِ العَابِرِينَ
    لَهْفَةَ الانْتِظَار،
    وَيَمْحُو مَا أَثْقَلَ الرُّوحَ
    مِنَ حلكة الدَّيَاجِي.
    ​تَشدوالنَّوَارِسُ عاليا
    تَفْرِشُ أَجْنِحَتَهَا
    لِلشُّرُوقِ الجَدِيد،
    وَتَغْدُو المَرَافِئُ مَرْقَصَا
    يَكْتُبُهُ الضَّوْءُ،
    وَتَقْرَأُهُ السُّفُنُ الرَّاحِلَةُ
    نحو الضفاف البعيدة …

  • القراءة ؛

نصّ شعريٌّ باذخ الجمال، ينساب كجدولٍ من الضوء بين ثنايا الروح، حاملاً القارئ إلى فضاءاتٍ رحبة من التأمل والأمل. لقد استطاعت الشاعرة الزهرة الحميمدي أن ترسم بريشةٍ شفافة لوحةً مفعمة بالرمزية، حيث تحولت السفن إلى كائناتٍ تحمل أوجاع الرحلة وأحلام الوصول، وغدت المرافئ رمزًا للأمان والخلاص بعد عناء السفر في متاهات الحياة.

أعجبني كثيرًا هذا التوظيف الراقي للصورة الشعرية، فالسفن المتعبة التي تنفض عن أشرعتها “سديم المتاهات ورذاذ الموج العنيد” توحي بما يعتري الإنسان من تعبٍ وانكساراتٍ خلال مسيرته، ثم يأتي الضوء ليكون بشارةً جديدة تمسح عن الجباه لهفة الانتظار وتبدد عتمة الدياجي. إنها رحلة انتقال من الظلمة إلى النور، ومن القلق إلى الطمأنينة، ومن التيه إلى اليقين.

كما أن تشبيه انسكاب النور بـ”ميلاد قصيدة” صورة آسرة تحمل الكثير من الدلالات الجمالية، إذ تجعل الضوء فعل خلقٍ وإبداعٍ وتجددٍ للحياة. وتأتي النوارس المحلقة في الأفق لتمنح النص مزيدًا من الانفتاح والحرية، وكأنها رسائل أملٍ تدعو إلى استقبال شروقٍ جديد لا مكان فيه لليأس أو الانكسار.

لغة النص رقيقة وعذبة، تتكئ على مفردات موحية ومشحونة بالدلالة، فيما حافظ الإيقاع الداخلي على انسجامه من البداية حتى النهاية، مما أضفى على النص حالةً من السكينة والتأمل. أما الخاتمة، حيث تغدو المرافئ مرقصًا يكتبه الضوء وتقرؤه السفن الراحلة نحو الضفاف البعيدة، فقد جاءت مدهشةً في جمالها، تاركةً للقارئ مساحة واسعة للتأويل والحلم.

كل التقدير للشاعرة المبدعة الزهرة الحميمدي على هذا النص المشرق الذي يؤكد قدرة الشعر على تحويل التجربة الإنسانية إلى لوحاتٍ من النور والجمال، وعلى بث الأمل في النفوس مهما اشتدت العواصف وطال الانتظار. دمتِ متألقةً، ودام قلمكِ منارةً تهدي القلوب إلى مرافيء الضوء والجمال.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading