عقارب الوقت في أزقة “سبتة” ، و يوم  حزين في جغرافيا الخيبات.

10 أغسطس 2026

 

بقلم  : ذة.الزهرةالحميمدي

بالأمس ، – السبت 8غشت 2026 -كنت بمدينة سبتة حيث ​ تتوقف  الخطوات  في تلك الأزقة والشوارع ، ليس شغفاً باكتشاف  الأماكن التي تعودت  زيارتها ،  بل دهشةً من حجم الفقد والألم الذي يسكنها…

هناك،   في الحدائق  وعند أعتاب الكنائس، والمتاجر “Lidel” و”Mercadona”، وعلى أرصفة المقاهي المفتوحة التي تكتظّ بحركات العابرين، تتجمع حشودٌ من الشباب المغاربة الضائعين… ويذوبُ كبرياءُ سنواتٍ كان يفترض أن تكون ربيعاً للإنتاج والأمل، وهم يتسولون يداً تمتدّ لهم  بكسرة خبز أو شربة ماء ، علّها تسدّ رمق وهمٍ كبير سمّوه يوماً “الفردوس الأوروبي”.

​أكثر ما يعصر القلب ألماً ليس فقط صورة أولئك الشباب الذين تاهت  أحلامهم، بل رؤية زهراتٍ لم يكتمل تفتحُهن بعد؛ قاصراتٌ يلتحفن الخوف، ويتوسدن الأرصفة  بين الدروب والأزقة وقد اختُطِفت طفولتهن في زحام الضياع…

​حاولتُ جاهدةً أن أمدّ يدي، و أن أكون جسر عودةٍ  لإرجاع بعض الأطفال والفتيات  الذين التقيتهم إلى دفىء  أهاليهم وأسرهم في طنجة أوتطوان  بعيداً عن أهوال الشارع وقسوة العزلة. جادلتُهم بأمل العودة، وسعيْتُ لإقناعهم بأن الطريق الذي يسلكونه ليس سوى سرابٍ يأكل العمر، لكنهم رفضوا متمسكين بوهمٍ سيكتوي  الجميع بناره الحارقة … 

يسكنني حزنٌ عميق على وطنٍ  يضيع شبابه في الشوارع الخلفية للموانئ وأمام المتاجر والمقاهي، وعلى أرواحٍ صغيرة فضّلت جحيم الشارع على العودة إلى أهاليها… يبدو أن أشدّ أنواع الأسر ليس سياجاً حديدياً، بل هو سياجُ الوهم الذي يُقنعك أن الضياع في  في الهجرة  والإغتراب، أفضل من الأمان  في حضن الأسرة التي من واجبها حماية أبنائها من  مخالب الغرباء وأنياب الأرصفة والشوارع…

و​ لعل الآباء الذين ينتظرون شمس الأمل من وراء السياج، أن يعلموا أن الشارع غريبٌ لا يُتقن لغة الرحمة، وأن الأسوار لا تفتح أذرعها للأحلام بل تصطاد براءة  الأطفال  الأبرياء…

 إن ترك القاصرات والقاصرين يواجهون عواصف الغربة والضياع على أرصفة الموانئ وبوابات المتاجر، ليس مجازفةً بل هو دمارٌ صامت لبراعم لم تقوَ بعدُ على أعباء الحياة.

على  الأمهات والآباء أن لا ​ يتركوا فلذات أكبادهم لحبال السراب؛ فالحماية والأمان والمواجهة في أحضان الأسرة —مهما قست الظروف— تظل أرحم ألف مرة من ضياعهم في دروب التسول  على أعتاب المجهول. فليحضنوا أولادهم وليسمعوا أنين أوهامهم قبل أن تتحول إلى ندوبٍ  لن يمحوها الزمن…و قبل ان يأتي يوم لن ينفعهم فيه الندم…

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading