
بوابة القصر الكبير : م. كماشين
اعتبر الأستاذ حسن الزروالي زيارة السلطان محمد الخامس -طيب الله ثراه- إلى مدينة طنجة عام 1947 منعطفا حاسما في مسار الكفاح الوطني، ودعا إلى اعتبار الخطاب الملكي كمنهجية حكم وقيم حية تتطلب منا “قراءة معاصرة” تستجلي مكامن القوة والرسائل العابرة للزمن منها، سميولوجيا الحضور (البساطة والقرب)… فقبل الغوص في كلمات الخطاب، نجد أن “شخصية الملك” في تلك اللحظة كانت خطابا بحد ذاتها. تجلت في مظهرين أساسيين، البساطة في الكلام واللباس: وهي قيمة تعكس الهوية المغربية الأصيلة، حيث لم يكن هناك حاجز بين السلطان ورعيته؛…
فلم يكن هناك حاجز بين السلطان ورعيته؛ فالبساطة هنا هي قمة الرقي السياسي الذي يكسر الهيبة الزائفة لصالح “الهيبة الوطنية” إلى جانب القرب من الجماهير بحيث جسدت الزيارة تلاحم العرش والشعب في أبهى صوره، محولة الفعل السياسي من “أوامر فوقية” إلى “تلاحم ميداني” وسط الجماهير المتطوقة للحرية.
وعن أبعاد الخطاب ودلالاته العميقة أشار المتحدث إلى معاني استراتيجية، يمكن إجمالها في النقاط التالية: وحدة الجغرافيا والتاريخ اختيار طنجة (التي كانت دولية آنذاك) هو تأكيد على وحدة المغرب من شماله إلى جنوبه، وربط المكان بقيمة “الوحدة الوطنية” التي لا تقبل التجزئة، استباق الأحداث والاستقلال الذهني، لقد عاش محمد الخامس “فترة الاستقلال” وجدانيا وفكريا قبل أن تتحقق ماديا كان يتحدث بلسان الواثق من النصر، مما جعل الخطاب “استباقا تاريخيا كسر قيود الحماية قبل جلاء جنودها. وأضاف ذ . حسن أن الخطاب حمل البعد الروحي والأمل واتسم الخطاب بنبرة إيمانية عالية (الثقة في الله)، وبث روح الأمل في المستقبل، معتبرا أن “الفرج سيأتي” لا محالة، وهي دعوة صريحة لنبذ اليأس.
وعدد الأستاذ حسن مجموعة من القيم المرتبطة بخطاب طنجة الشهير الذي وضع “خارطة طريق” لهوية الدولة المغربية اعتمادا على الثبات الهوياتي، والتكافل والتعاون، والانفتاح الواعي بعدم اتخاذ مواقف سلبية من الحضارة الأوروبية؛ وهي رؤية عصرية تفرق بين “الاستعمار” كظاهرة سياسية مرفوضة، وبين “الحضارة” كمنجز إنساني يجب التفاعل معه بذكاء لا بعقدة نقص.
إن ما تبقى لنا من خطاب طنجة اليوم هو فلسفة السيادة. إنه يعلمنا أن قوة الدولة تكمن في التحام القيادة بالشعب، وفي التمسك بالثوابت مع الانفتاح على العصر. إن دراسة هذا الخطاب من جميع جوانبه (السياسية، اللغوية، والاجتماعية) تكشف لنا أن “روح طنجة” ما زالت هي المحرك للطموح المغربي المعاصر في ريادته وتنميته.
- من ندوة نظمها فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بالقصر الكبير