
ذ. عبد المالك العسري:
لم يكن الماء يرعب المدينة كما يبدو اليوم. كان ياتي بلا خوف لانه كان مفهوما ومؤطرا داخل وعي جماعي يعرف حدوده ويقرأ اشاراته. في القصر الكبير كان الناس ينتظرون المطروحينما يتاخر كانوا يطلبون الغيت ،كان الاطفال من تلقاء انفسهم ينتظمون في جماعات تدور الاحياء ” وتسعى الغيث” (غيثك غيثك ياالله ارحم اعبيدك يالله ،هاد السبولة عطشانة وسقيها يا مولانا ، هاد الزرع يبس ورقو ،وسقيه يا من خلقو ) ويتغير الايقاع ( ايا الله ترحمنا بجاه النبي تقدمنا ) كل مجموعة يقودها شاب كبير ، تمر عبر الاحياء تخرج النسوة باسطل من ماء يسكبنه على الاطفال الذين تتبلل ثيابهم ويمضون غير عابئين بالبلل ، اما عموم الساكنة تلجأ الى ضريح سيدي علي بوفريحة راعي الفلاحين وواهب المطر وينتظرون الغيم ، كانت مواكب الدعاء بالغيت ورحمة السماء، ينطلق من الجامع الكبير ساكنو باب الواد ،في موكب يتقدمه سي احمد الطود وبعد وفاته سيدي عبد السلام نخشى ، كانوا يمشون في وقاروخشوع ولحى بللتها الدموع ، الحرفيون والدباغة والتجار والفقهاء ومحاضرية المسائد تلتقون بكوكبة اخرى من اهالي الشريعة ويتوحد الموكب في اتجاه سيدي علي بوفريحة ،لم يكن الموكب يخلومن مجاذيب المدينة كانوا يستعدون ويقينهم ان الله لا يتخلى عن المدينة وان رحمة الله قادمة ، وحين تمطر السماء ،وحين يشتد الجريان كانوا يتحركون بهدوء. الخوف لم يكن غائبا تماما لكنه لم يكن سيد الموقف.
الماء الذي كان ياتي بلا خوف كان ماء معرفة. الناس يعرفون الارض ويعرفون النهر ويعرفون البيوت التي ستتاثر قبل غيرها. يعرفون الازقة التي ستغمر اولا ،ويعرفون اين يضعون المتاع واين يذهبون عند الحاجة. لم تكن هذه المعرفة مدونة ولا مخطط لها ، لكنها كانت متداولة في الكلام اليومي وفي الوصايا التي تنتقل داخل الاسر، دكاكين العطارين والغطايين تم تصميمها لتلافي الخسائر كانت دكتها عالية ويتدلى حبل يستعين به اصحابها للدخول والصعود الى دكات دكاكينهم. .
اذا جاء الماء لا احد يركض بلا معنى ولا احد يستهين، الحركة كانت جماعية والقرار كان مشتركا، حين يرتفع الماء يفتح الجيران ابوابهم وحين ينخفض يعود كل شيء الى مكانه. لم يكن هناك شعور بالخذلان لان المدينة لم تكن تترك ابناءها فرادى..
الماء الذي كان ياتي بلا خوف لم يكن يداهم الناس من حيث لا يتوقعون. كان له صوت يسبق حضوره ورائحة تنذر بقدومه. كانت السماء وسيلة انذار وكانت الارض ايضا. حين تتشبع التربة يعرف الناس ان الوقت اقترب. هذه العلاقة الحسية بالمكان جعلت الفيضان جزءا من الحياة لا قطيعة معها.
لم يكن النهر عدوا للمدينة ،انما يجب احترامه. لذلك كانت بعض الاماكن تترك له وبعض البيوت تبيت مشرعة كي يدخلها الماء كضيف مالوف يخبر بقدومه كماء ثقة في الجماعة وقدرتها على التعافي
بعد كل فيضان كانت الحياة تعود ببطء وبثبات لا احد تحدث عن نهاية وخراب المدينة ،كان الناس ينظرون اليه كونه ليس خاتمة مدينتهم ، كانوا اقوى من الصدمات ..
اليوم حين نخاف من الماء فنحن نخاف تبعاته اكثر مما نخاف منه. ،من السد الذي انشا من اجل سقي حوض اللوكوس السد الذي حول منطقة الرمل كما تحولت دول الخليج بعد تدفق البترول ، تم انشاء السد لحمايتنا من الهشاشة والفيضانات هو من اصبح يخيفنا
.