
– ذ. عبد المالك العسري
هذه سلسلة يومية من ثلاثين تدوينة، تحاول أن تنصت لما قاله الفيضان عن المدينة، عن الناس، وعن الهشاشة التي لا تظهر إلا حين يعلو منسوب الماء.
ليست هذه السطور رثاء ولا اتهاما مباشرا، بل محاولة لفهم ما جرى، كي لا يتحول النسيان إلى فيضان آخر.
الحلقة الأولى (حين كان الفيضان مجرد حكاية )
قبل ان تصبح الكاميرات شواهد يومية على الفيضان وقبل ان يتحول الماء الى خبر عاجل كان الفيضان في هذه المدينة عبارة عن حكاية تروى. و حدثا يدخل الذاكرة ويستقر في الكلام قبل ان يستقر في العدسات. في البيوت القديمة كان الحديث عن الفيضان ياتي دائما بصيغة الماضي البعيد كأنه زمن مكتمل لا يخيف لان الناس نجوا منه بالحكاية.
في القصر الكبير الفيضان كان جزءا من دورة الحياة ومن ايقاع النهر ومن وعي الناس بالمكان. كانوا يعرفون ان الماء سيعلو وان الارض ستتشبع وان بعض البيوت ستغمر لكنهم كانوا يعرفون ايضا كيف يقرؤون العلامات وكيف يتهيؤون. للفيضان الذي لم يكن عدوا خفيا بل قوة طبيعية تحترم وتخشى في الوقت نفسه.
كان كبار السن يتحدثون عن سنوات بعينها بالتواريخ والصور الكلامية. يقولون سنة دخل الماء حتى العتبة او السنة التي وصلت الحملة (حدا زويزن ) ( والماء فات دار العنبر في الديوان ) وغمر منزل ( امي مهاني ) او السنة التي حمل فيها النهر الدواب وغطى (غرسة الحوات وغرسة الغزاوي ) وجنان كرمونة . لم تكن هناك صور تثبت ذلك لكن الذاكرة كانت كافية. كانت التفاصيل محفوظة في السرد، عانت المدينة من الفيضان لكن الناس كانوا يتصرفون كجسد واحد ،كانت البيوت تفتح لانها اعتادت ان ترى الفيضان خطرا مشتركا ،لذلك كان الحذر هو الشعور الطاغي لا الخوف
الفرق بين الامس واليوم لا يكمن في كيمية الماء الذي رحل المدينة ، كان يروى كان جزءا من ذاكرة مشتركة تنقل عبر الاجيال اما اليوم ينقل ويصور ويستهلك بسرعة ثم قد ينسى الصور صادمة لكنها لا تبني فهما بينما الحكاية كانت تزرع معرفة بطيئة وعميقة .
هذه السلسلة تعود الى تلك اللحظة التي كان فيها الكلام هو الارشيف الوحيد. تعود الى زمن كانت فيه الذاكرة اقوى من الصورة وكان الانسان يعرف ان ما لا يروى يعاد. فهل فقدنا الحكاية ففقدنا معها القدرة على الاستعداد ، و حين توقفنا عن رواية الفيضان تركناه يعود في صمت اكثر قسوة