
بقلم سعيد نعام
كان الطريق يمتد أمامه كحبل من مَسَد، يبتلع المسافات، ويلفها حول عنق قلقه، ولم تكن الشمس في كبد السماء مجرد كوكب، بل كانت عيناً كونية زجاجية تحدق في شتاته. كان يمضي مدفوعاً بهاجس الثراء، يسابق الزمن للوصول إلى موعد “الصفقة الثمينة”؛ تلك التي ستنقل حياته من ضفاف الحاجة إلى رغد العيش، صيدٌ ثمينٌ ساقه القدر إليه ليختبر قدرته على الصبر. وبغتةً، اهتزت الأرض تحت مقوده، ومالت به السيارة باتجاه منحدر؛ انفجرت إحدى العجلات لتعلن تمرداً مفاجئاً في الخلاء.
نزل بجسدٍ بدأ الإنهاك يتسلل إليه، وتحت لهيب هجير لا يرحم، جاهد لتغيير العجلة، فامتزج عرق جبينه بتراب الطريق، وعفرت يداه بسواد الإطار المهترئ. حين انتهى، أحس بقلبه يقرع طبول التعب، فداس مكبح سيارته ببطء، كمن يفرمل قطار أفكاره الجامحة؛ هل يرتد إلى الوراء حيث “الخيبات الأليفة”، أم يواصل السير نحو صفقته التي تلمع كسراب في الأفق؟ كان يسكنه رجلان: واحد يغوي بالحلم، وآخر يجلده بالواقع، وبينهما تاهت بوصلة الروح.
توقفت السيارة أمام واحة من الإسمنت، مقهى صامت يقبع تحت وطأة القيظ، ترجل يجر خطاه في نعل صيفية تئن من رمضاء الرصيف. مرر مشطه في غابة شعره المنفوش، ولحيته المخضبة بالحناء، كانت تبدو كبقايا حريق قديم لم ينطفئ بعد، ثم دخل المقهى، فاستقبله الهواء البارد كحضن أم غائبة. ألقى بجسده فوق أول كرسي صادفه؛ جسد يحمل نتوءات التعب وندبات السنين، طلب قهوته، ثم غاب في تجاويف راحتيه، باحثاً عن وجهه الضائع بين خطوط يده.
حين وضع النادل الفنجان أمامه، كان الرجل يغرق في صمت مطبق، لكن الرنين المفاجئ لهاتفه شق سكون المكان كصعقة برق، فانقض عليه بلهفة غريق أبصر قشة النجاة. “الله أكبر.. الله أكبر!”؛ انفجرت الكلمات من حنجرته كشلال من ضوء، لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تحطيماً لأصنام عقم عبدها لعشر سنوات مضت. بدأ يفك أزرار عباءته بذهول كأنه يخلع جِلده القديم، ونزع ذلك الحزام الجلدي المحشو بعقود الصفقة ووثائق الأرباح المنتظرة، وضعه على الطاولة كأنه يضع ثقله الوجودي كله ليستريح، فلم تعد تلك الأوراق تساوي لديه فُلامة ظفر أمام معجزة الحياة.
لكن من اعتادوا الخوف، لم يرَوا في فرحه إلا تهديداً؛ تعالت تكبيراته فاهتزت جدران الطمأنينة الزائفة، وفي تلك اللحظة، صار الحزام “لغزاً”، وصارت اللحية “شبهة”، وصار التكبير “إعصاراً”. تدافع الرواد، انكسر زجاج الهدوء، وقلبت الطاولات لتصبح متاريس ضد فرحة لم يفهموها، سقطت الكؤوس كأحلام مجهضة، وعم الفراغ إلا منه ومن دهشته العظيمة. وسط هذا الحطام، التفت نحو شاب تجمد مكانه من الرعب، وبصوت يرتعش كوتير كمان، قال: “لقد أورق العقم يا بني.. صار لي في الأرض امتداد، أنا أب!”.
كانت دموعه تغسل الحناء عن لحيته، والابتسامة تشق وجهه الشاحب كفجر مفاجئ، أراد أن يحتضن الدنيا، وأن يطعم الجياع من مائدة فرحه، فصرخ بملء فيه: “أنتم ضيوفي اليوم.. كل ما في هذا المكان على حسابي!”. لكن الدنيا كانت قد أحكمت رتاجها؛ فخارج المقهى، لم تكن طيور الفرح هي التي تحلق، بل كانت صفارات الإنذار تعوي كذئاب جائعة. حاصرت الخوذات والدروع بوابة الحلم، وبينما كان هو يتحرر من قيد الحزن القديم، كانت الأصفاد تستعد لتعانق معصميه، ضيفاً خلف القضبان.
سعيد نعام
ا