– اد : محمد البدوي
كنتُ أردُّ بعضَ الجميل لأمِّي، سيّدةِ العالمين، التي جعل الله الجنَّة تحت قدميها، والتي أوصانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بحُسنِ صحبتها وبرِّها، كما ثبت عنه في الحديث الصحيح:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
جاء رجلٌ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسولَ الله، مَن أحقُّ الناسِ بحُسنِ صَحابتي؟
قال: أمُّك.
قال: ثم مَن؟
قال: أمُّك.
قال: ثم مَن؟
قال: أمُّك.
قال: ثم مَن؟
قال: أبوك.
( أخرجه البخاري ومسلم)
في العطلة البينية، شددتُ الرحال لزيارتها بعد أن ألمَّ بها المرض، واشتدَّ عليها البلاء، تُكابد من الألم ما يُكابده المؤمنُ الصابر، وهي في أحضان البلاء أقربُ ما تكون إلى ربِّها، وأصدقُ ما تكون رجاءً وتوكُّلًا.
ثم جاءت ليلةُ الخميس، وحلَّ نذيرٌ مروِّع، بالصوت والصورة، يُنبئ بفيضانٍ عارمٍ يهدِّد المدينة التي أقطنها. تماسكتُ بادئ الأمر، وتسلَّلت إليَّ الشكوك، واستبدَّ بي التسويف، حتى إذا أرخى الليلُ سدوله، وأطبق الظلامُ على الكون، انطلقتُ.
حزمتُ أمتعتي على عَجَل، ولم يكن يفصلني عن منتصف الليل سوى ساعة واحدة. اندفعتُ نحو سيارتي، متسلِّحًا بالوضوء، مُلهِجًا بأدعية السفر، أتلو أذكاري، أستأنس بها في وحشة الطريق وسكونه.
كان الذعر قد عمَّ أرجاء المدينة، وساد صمتٌ رهيب لا يقطعه إلا خريرُ المياه المتصاعدة. رأيتُ الناس يسبقون الزمن، يؤمنون ما تيسَّر من أغراضهم وأفرشتهم، خشية أن تقتحم المياه بيوتهم دون استئذان.
خيَّم البؤس على الوجوه، وطاف الخوفُ بالقلوب، وارتسمت سحابة كآبة ثقيلة، كأن الموت يُناجيهم من خلف الجدران، أو يترصَّدهم عند العتبات.
وصلتُ إلى بيتي، وفعلتُ كما فعل جيراني: شرعتُ أجمع ما تسعفه يداي. غير أن المرآب كان جنَّة الذكريات وجحيم الفقد؛ آلاف الأوراق والوثائق، كلُّ واحدةٍ منها تحمل حكاية عمر، وكل ورقة تُعيدني إلى زمنٍ انقضى، إلى دهاليز الماضي المثقلة بالوجع.
عشنا تلك الليلة وكأنها دهرٌ كامل، نترقَّب رحمة السماء، وأنا ألهج بذكر: يا لطيف. سرحت بي الخواطر إلى سفينة نوحٍ عليه السلام، وتعلَّقت روحي بقول الله عز وجل، أستمسك به متوسِّلًا إلى الحنان المنَّان، صاحب القوة والملكوت، جبَّار السماوات والأرض:
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
[هود: 44]
وكان اليقين يملأ قلبي أن الله سبحانه حافظُنا في هذه البقعة الطيبة المباركة، ولن يُخزينا، فهي أرضُ الجهاد، وأرضُ معركة وادي المخازن، أرضُ القرآن والإيمان، أرضٌ ما خانت عهدها مع الله، ولا نكثت ميثاقها مع التاريخ.
قضيتُ يومًا عصيبًا، كأشدِّ ما يكون الصراع بين الخروج من قدر الله والفرار منه توجُّهًا إليه، وقد استحضرتُ قول الصحابي الجليل أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه:
«نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله».
فما كان الفرار يومًا جبنًا، ولا التراجع نقصًا في التوكُّل، بل هو فقهُ السنن، وبصيرةُ المؤمن حين تتلاطم الأقدار.
ألقيتُ نظرات الوداع على أركان بيتي، وكلُّ شبرٍ فيه قطعةٌ من هويتي، في كل زاوية تاريخي، وفي كل جدار جغرافيتي، هنا ضحكة، وهناك دمعة، وهنا حلمٌ تأجَّل، وهناك ذكرى لا تموت.
فتحتُ هاتفي أتحسَّس توجيهات بعض الفضلاء الذين تطمئنُّ لهم الروح، فوجدتهم جميعًا يُجمعون على ضرورة الفرار وترك المدينة، بلا تردُّد ولا إبطاء.
غير أنني تأخرتُ بسبب تعبٍ شديدٍ ألمَّ بي، وكنتُ أرجو أن أبيت ليلتي تلك، وأستجمع قواي، ثم أخرج مع الصباح مباشرة. لكن الأقدار لم تمهلني.
اتصل بي أخي محمد، يسألني عن حالي، وقد قدَّمتُ له عذري الذي منعني، رجاء أن يُمهلني، غير أن نبرته هذه المرة لم تكن كعادتها؛ كان صارمًا، حازمًا، كأن الكلمات خرجت من قلبٍ يسبق الخطر، وتوجيهاته لا تحتمل التأجيل، ولا تقبل النقاش.
وبعد أقل من ساعة، رنَّ هاتفي مرة أخرى، كان المتصل أخي وصديقي رشيد، صنوَ الروح ورفيق الدرب. كان قد وصل إلى القنيطرة، وقد جمع من الأخبار والمعطيات العلمية الدقيقة، والتنبؤات المستقبلية، صحبة صاحبه الدكتور عز الدين، ما جعلني أتغلَّب حتى على ضعفي ووَهني، وأتماسك رغم الإعياء.
وفي غمرة الاستعداد، تذكرتُ قفصًا صغيرًا فيه طائرٌ وزوجه، كنتُ قد تركتهما حين عدتُ إلى بيتي في منتصف الليل، والحيُّ أصبح شبه مهجور. راودني خوفٌ دفين أن يصيب الطائر مكروه، فاستحضرتُ في ذهني فاجعة موت النُّغير، ومواساة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لصاحبه.
فعن أنس رضي الله عنه قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورنا، وكان لي أخٌ صغير يُقال له أبو عمير، وكان له طائر صغير يلعب به، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يا أبا عمير، ما فعل النغير؟»
قال: مات يا رسول الله.
(أخرجه الإمام مسلم)
فقلت في نفسي: إذا كان رسول الرحمة قد واسى قلب طفلٍ بفقد طائر، فكيف لا يرقّ قلب المؤمن لكل روحٍ ضعيفة، ولكل أمانةٍ بين يديه، ولو كانت طائرًا في قفص؟
وهكذا، بين خوفٍ يتعاظم، ويقينٍ لا يتزعزع، وخطواتٍ مثقلة بالجسد لكنها خفيفة بالروح، أدركتُ أن الله إذا أراد لعباده النجاة، ساق لهم الأسباب من حيث لا يحتسبون، وأيقظ قلوبًا حولهم لتدفعهم دفعًا إلى باب السلامة.
وكانت تلك الليلة شاهدًا على أن الإيمان لا يُلغِي الخوف، لكنه يُهذِّبه، ولا يمنع القلق، لكنه يضبطه، وأن النجاة الحقيقية ليست في الابتعاد عن الخطر فحسب، بل في القرب من الله حين تشتدُّ المحن.