
_ بقلم : يوسف التطواني
كان لي شرف الحضور في حفل افتتاح رواق الفنانة الحروفية رجاء بن الخضر بن مصباح بمدينة القصر الكبير، مساء السبت 27 دجنبر 2025، في حفل أنيق احتفى باليوم العالمي للغة العربية، حيث تم تأطير هذه التظاهرة تحت عنوان:
«ذاكرة الحضارة – إبداع وتواصل».
ويُعد هذا المعرض موعدا تشكيليا مميزا يكشف عن الطاقة الإبداعية لفنانة عصامية، لم تلج المؤسسات الأكاديمية، لكنها ولجت عالم الفن من بوابة اكتشاف الجمال، واستنطاق أسرار الحياة، وألوان الطبيعة، وجمالية القيم الكامنة في الروح الإنسانية بكل تجاذباتها وتناقضاتها.
إن الاحتفاء باللغة العربية في يومها العالمي، في زمن الاستلاب التكنولوجي المتسارع، ليس مجرد صدفة، بل هو اختيار واعٍ، وصرخة جمالية وثقافية في وجه التمزيق الرمزي والاستلاب القيمي الذي يهدد هويتنا ووجودنا الثقافي، ويطرح تحديات كبرى وخطيرة على مستوى القيم والمرجعيات.
ويأتي فن الحروفية هنا بوصفه احتفاءً بالحرف العربي، وتحويله إلى اتجاه فني معاصر يلامس مختلف القيم الجمالية في أبعادها الاستطيقية، وما تحمله من معان ودلالات ورسائل رمزية عميقة.
لوحات المعرض غارقة في التجريد والتجريب، كنافذة مفتوحة على تعدد المعاني، تدفع المتلقي إلى طرح أكثر من سؤال وتأويل.
ومع ذلك، تحرص الفنانة على تثبيت بعض الرسائل الحاضرة بقوة في ثنايا الأعمال، من خلال الأشكال الهندسية، وتناسق الألوان أحيانًا وتداخلها أحيانًا أخرى، في مزاوجة واعية بين الأصالة والتحديث.
كما تحضر في أعمالها أبعاد إنسانية وروحية واضحة جدا ، تتجلى في معانٍ صوفية تضفي على اللوحات عمقًا دلاليا وبعدًا تأمليًا، وتؤسس لنموذج خلّاق في التفاعل بين الهوية الثقافية العميقة ومتطلبات الإبداع المعاصر.
وتحتفي الفنانة، بطبيعة الحال، بمدينة أوبيدوم نوفوم، المدينة المسكونة منذ الأزل بالإبداع والجمال، مستحضرة منعطفات نهر اللوكوس الخالدة، ونداءات سحر بنات الهسبريدس التي ما تزال تتردد في الذاكرة الأسطورية للمكان.
وسيظل الرواق مفتوحًا في وجه العموم من 27 دجنبر 2025 إلى 12 يناير 2026، بما يتيح للمهتمين فرصة الاطلاع على هذه التجربة الفنية المتفردة.
ويُشكّل هذا المعرض إضافة نوعية للمشهد التشكيلي المحلي، وفرصة متجددة لفتح النقاش حول فن الحروفية ودوره في صون الذاكرة الحضارية، والانفتاح على آفاق الإبداع المعاصر.
كل التوفيق للمبدعة رجاء بن الخضر بن مصباح في مسارها الفني،
والدعوة مفتوحة لساكنة مدينة القصر الكبير لزيارة هذا الرواق الفني، الذي يُعد قيمة مضافة حقيقية للمشهد الثقافي المحلي، ومتنفّسًا للجمال، وفضاءً للوفاء للفن والإبداع.