
بقلم سعيد نعام
لم يكن السؤال الذي تسلّل إلى رأسه ذات وجعٍ مبكر يعنيه بقدر ما كان يُثقله
«لماذا أنا؟»
سؤال أكبر من طفل، وأقسى من قلب لم يتعلم بعد كيف يحتمل الخسارة. كان خويلق آنذاك في الخامسة من عمره، أو أقل بقليل من الحلم، يمشي خلف أمه المريضة كظلٍّ منكسر،. متشبثًا بأطراف ثوبها المهترئ كما يتشبث الغريق بخشبة نجاة مثقوبة. كانت المدينة أمامه متاهة من حجر وبرد، أزقتها طويلة كالجوع، وشوارعها صمّاء كالدعاء الذي لا يُستجاب. تمضي أمه بين الناس تبحث عن رحمة ضلّت الطريق، وعن لقمة تسكت صراخ المعدة وتؤجل موتًا يتربص بهما معًا. كان خويلق يحدق في وجهها الشاحب، وفي عينيه الصغيرتين أسئلة تتناسل كالألم، تتصارع في رأسه كما تتصارع الرياح في صدر نافذة مكسورة.
ومرت السنوات، لا تمر مرور الكرام، بل تثقل كالأحجار فوق الظهر. كبر خويلق، وكبر معه وجعه، وبدأ جسده يبوح بما حاولت الأيام إخفاءه؛ تشوهات خلقية كأنها توقيع قاسٍ من القدر، أو سخرية سوداء من عدالة لم تصل إليه قط. لم يكن يعرف مرآة ينظر فيها إلى نفسه، سوى مرآة المجتمع، تلك المرآة المشروخة التي لا تعكس إلا القبح، ولا ترى إلا المختلف بوصفه فريسة. كان يمشي بينهم، وهم يرمقونه كما تُرمق العاهات، وكما تُراقب الثعالب جراح الفرائس قبل الانقضاض. قالوا له دون كلام: «أنت زائد عن الحاجة»، وقالت نظراتهم: «مكانك ليس هنا».
ثم ماتت الأم..
ومات معها آخر خيط يربطه بالعالم.
تركته وحده، عاري الروح، يسير في طريق لم يختره، طريق رسمه أولئك الذين استغلوا ضعف امرأة مريضة، وجعلوها تنحني تحت ثقل الألم والفقر، بينما العالم من حولها كان أعمى، أصم، لا يرى ولا يسمع ولا يبالي. وجد خويلق نفسه يتيم السؤال والجواب معًا، يسير بلا وجهة، كريشة في مهب الريح، لا تعرف أين ستسقط ولا متى.
وتوالت ركلات الدهر، ركلة تلو الأخرى، حتى انتهى به المطاف في مقبرة تُدعى مولاي علي بوغالب، اسمٌ لا يحمل معنى سوى النسيان، سوى الصمت الأبدي. هناك، أُلقي جسد خويلق كما تُلقى الحكايات التي لم تجد من يرويها، بلا شاهد قبر، بلا اسم، بلا تاريخ ميلاد أو وفاة. كأن الحياة اعتذرت عنه، أو أنكرت معرفتها به. لكن من كان يعرف خويلق، من لمح ظله يومًا، أو سمع أنينه صامتًا، كان يرى من بعيد قطعة خشب واهنة فوق صدره، تشبهه في هشاشتها، كُتبت عليها كلمات لم تكن نقشًا بقدر ما كانت صرخة:
«لماذا ..أنا؟!»
سؤال ظلّ معلقًا بين السماء والتراب، بلا جواب، كما كان خويلق… تمامًا.
سعيد نعام
18/12/2025