
– عبد الكبير محمدي :
شهد مجلس جماعة قصر بجير حدثا غير مسبوق خلال الدورة الأخيرة، حين تم إسقاط النقطة المتعلقة بالرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية بأغلبية 12 صوتا ضد 8. حدثٌ أثار تساؤلات كثيرة، ليس فقط بسبب طبيعة النقطة، ولكن لأن السياق العام للمجلس يجعل هذا التصويت حدثا “غير طبيعي” يحتاج قراءة أعمق من مجرد فرز أصوات.
انا هنا اليوم احاول ان اجيب على من رماني بالتحامل على رئيس المجلس وتبخيس دور المعارضة لذلك فالاسئلة المنطقية هي
هل نحن أمام لحظة تمرد حقيقية داخل المجلس؟
أم أمام مسرحية سياسية متقنة الإخراج لإسقاط نقطة مثيرة للجدل دون اصطدام مباشر؟
الإجابة ليست بسيطة… لكن المؤشرات كثيرة.
- أول انكسار بعد أربع سنوات من الانضباط الجماعي
على امتداد أكثر من أربع سنوات من التدبير، لم يشهد المجلس أيّ مشهد تصادمي مؤثر.
كل القرارات — تقريبا — كانت تمر بالإجماع، وفي أصعب الحالات لم يتجاوز عدد المعترضين شخصا إلى ثلاثة أشخاص.
فكيف حصل اليوم أن ارتفع العدد فجأة إلى 12 معترضا؟
هل تغيّر وعي الأعضاء فجأة؟
هل انقلبت الموازين السياسية بين ليلة وضحاها؟
أم أن السياق مختلف هذه المرة؟
هذه الأسئلة وحدها تجعل من الصعب تبني رواية “الانقلاب” دون تمحيص.
- فرضية الانقلاب… تتصدع أمام تصويت الأعضاء على باقي النقاط
لو كانت الأغلبية بالفعل في حالة تمرد أو انقلاب على الرئيس، لكانت عطلت النقاط الخمس الأخرى المدرجة في الجلسة، خصوصا النقطة المتعلقة بالمحجز الإقليمي للكلاب الضالة التي أثارت نقاشا قويا ورفضا واضحا من عدد من الأعضاء أثناء المناقشة.
ومع ذلك…
تم التصويت عليها في النهاية، وبسلاسة.
فإن كان هناك “انقلاب”،
لماذا لم يظهر أثره إلا في نقطة واحدة فقط؟
ولماذا تم تمرير باقي النقاط التي هي أكثر إثارة للنقاش من الناحية العملية؟
- بعض الأعضاء… هل يملكون فعلا القوة للمعارضة؟
مع كامل الاحترام، جزء مهم من الأعضاء لا يمتلكون الجرأة السياسية أو الاستقلالية الكافية لمعارضة الرئيس في الظروف العادية.
فكيف تجرّأ هؤلاء فجأة على إسقاط نقطة تعد من أكثر النقاط حساسية؟
كيف انتقلوا من الصمت والخضوع… إلى استعمال صوتهم بقوة في هذه النقطة فقط؟
ولماذا لم يظهر وا هذه “الشجاعة المفاجئة” في النقاط الخمس الأخرى؟
هل تغيّرت شخصياتهم فجأة؟
أم أن المناخ كان “مُهيّئا” بشكل غير مألوف؟
- المجلس بدون معارضة حقيقية… فمن أين جاء هذا التماسك المفاجئ؟
المجلس، عموما، لا يملك معارضة بالمعنى الحقيقي.
النقاشات المحتدة التي تقع أحيانا تنتهي دائما بتصويت نفس ثلاثة الأعضاء:
محمد العشعاش
بوسلهام النافعي
بلاما القائد
وأحياناً استفسارات قوية و تساؤلات محرجة من عبد السلام الوديي.
هذه الأسماء — رغم حضورها — لا تمثل قوة سياسية قادرة على قيادة جبهة ضد الرئيس.
بل إن الرئيس نفسه حاول في دورة أكتوبر السابقة الإطاحة بثلاثة أعضاء من بينهم عضوين من الاعضاء الأربعة السالف ذكرهم في خطوة اعتبرت محاولة لتصفية حسابات ضيقة، ولم نجد حينها أي اصطفاف جماعي يظهر وجود معارضة منظمة.
فكيف ظهر فجأة هذا “التكتل القوي” في نقطة واحدة فقط؟
هل يمكن أن تكون اللحظة صدفة؟
أم أن هناك “إخراجا دقيقا” للنقطة لضمان سقوطها من دون ضجيج سياسي؟
- طريقة تناول النقطة… تشبه “سلق البيض” أكثر مما تشبه نقاشا جوهريا
النقطة — بحساسيتها — كان يفترض أن تشهد نقاشا معمقا
لكن ما حدث كان أقرب إلى:
نقاش سريع، انفعالي، متوتر، دون تحضير، ودون ضبط.
اللافت أكثر:
الرئيس، الذي اعتاد الضغط على الأعضاء للتصويت لصالح النقاط، قال لأول مرة:
“اللي بغا يصوت يصوت.”
هذه الجملة وحدها، في سياق رئيس معروف بصيغة “خصنا نصوتو على هاد النقطة”، تكشف تغيرا كبيرا في مزاج القيادة:
هل كان الرئيس بالفعل مترددا؟
هل أراد الامتثال شكلياً فقط؟
هل ترك الباب مفتوحا عن قصد؟
ثم ظهرت أصوات لأعضاء لم نسمع لهم صوتا من قبل في أي نقطة طوال الدورة.
فلماذا تحركوا فقط في هذه النقطة؟
ولماذا بدا بعضهم وكأنه “مشحون” مسبقا؟
- بين رواية المسرحية ورواية الانقلاب… أين يكمن المنطق؟
يمكن للمرء أن يتبنى رواية “الانقلاب” داخل المجلس…
لكن هذه الرواية تصطدم بالوقائع التالية:
أول مرة يتم فيها إسقاط نقطة منذ 4 سنوات
عدم معارضة الأغلبية لأي من النقاط الخمس الأخرى
صمت أغلب الأعضاء تاريخيا أمام الرئيس
غياب معارضة حقيقية قادرة على تجميع صفوفها
سلوك الرئيس غير المعهود في ترك حرية التصويت
بروز أصوات لم تكن تتكلم عادة
نقاش سريع يشبه “عملية سلق البيض”
هذه المؤشرات لا تنسجم مع منطق “التمرد السياسي”…
بل تفتح الباب أمام فرضية أخرى:
هل كان الهدف إسقاط النقطة… دون أن يتحمل أحد مسؤولية الإسقاط؟
هل نحن أمام مشهد سياسي مُدار بدقة لتهدئة السلطة من جهة… وإرضاء الساكنة من جهة أخرى؟
هذه مجرد أسئلة… لكن من الصعب تجاهلها.
الخاتمة: تحليل شخصي… والفيصل في الدورة القادمة
ما ورد في هذا المقال تحليل شخصي قد يصيب وقد يخطئ.
لكن الفاصل الحقيقي لن يكون الأقوال بل الصناديق في الدورة المقبلة، استثنائية كانت أو عادية، حين تعاد إدراج نفس النقطة.
وهنا نطرح السيناريوهين بوضوح:
- إذا رُفضت النقطة مجددا بنفس عدد الأصوات (12) او أقل قليلا
فقد يكون ذلك فعلا انقلابا سياسيا على الرئيس وهو دليل على أنه لم يعد قادرا على أداء مهامه وسيكون المجلس قد دخل مرحلة جديدة تماما.
- إذا عارضها في الدورة المقبلة فقط 3 أعضاء أو أقل
فحينها يتأكد أن ما حدث لم يكن سوى:
“مسرحية سياسية لإسقاط النقطة بأقل الأضرار”،
وأن الرئيس خرج من المشهد “أكثر سلاما” أمام الجميع.
الكرة الآن في ملعب الأعضاء والرئيس… والدورة المقبلة ستكشف الحقيقة كاملة.
خلاصة القول
1. إذا كان الرئيس يعتبر النقطة ضرورية قانونيا وتنظيميا، فلماذا لم يمارس القيادة المعهودة في توجيه التصويت كما يفعل دائماً في كل النقاط الحساسة؟
- وإذا كان الرئيس مقتنعا أساسا بضرورة تمرير النقطة، فكيف يفسّر ترك حرية التصويت في ملف بهذه الحساسية غير المسبوقة؟