
بقلم : ذ . محمد الشدادي
كم آلمني أن ألتقي مؤخرا إحدى تلميذاتي التي حصلت هذه السنة على شهادة الباكلوريا، وقد أخبرتني أنها اضطرت للتسجيل في شعبة القانون، رغم أن طموحها الحقيقي كان دراسة اللغات. لم يكن اختيارها نابعا من رغبة، بل من واقع اجتماعي قاهر، فوالدها لا يستطيع توفير ما تحتاجه من مصاريف للعيش والدراسة في مدينة تطوان، حيث تتاح تخصصات اللغات والآداب والفلسفة، والتاريخ والجغرافيا، وغيرها من العلوم الإنسانية. هذا المشهد ليس استثناء،بل هو صورة متكررة في حياة غالبية طلبة القصر الكبير ومحيطه، الذين يجبرون على اختيار تخصصات لا تعبر عن ميولاتهم، فقط لأنها المتاحة محليا، أو لأنهم لا يملكون القدرة على التنقل أو الاستقرار في مدن أخرى.
وكم آلمني كذلك أن أرى العديد من تلاميذي الذين غادروا إلى مدينة تطوان في السنوات الفارطة، يحملون أحلاما كبيرة، لكنهم لم يستطيعوا الاستمرار بسبب التكاليف الباهظة للكراء والطعام. بعضهم حاول الصمود لعام كامل، ثم عاد ليعيد التسجيل في تخصص القانون بالقرب من عائلته، لا حبا في القانون، بل هربا من واقع اقتصادي لا يرحم. هذه العودة القسرية ليست فشلا شخصيا، بل نتيجة مباشرة لغياب الدعم الاجتماعي الكافي الذي يمكن الطلبة من متابعة دراستهم في المدن الجامعية الكبرى.
وسط هذا الألم، شعرت بفرحة عارمة حين علمت أن جامعة عبد المالك السعدي خصصت مؤخرا منصبين للتباري في تخصصي العلوم الشرعية والإيكولوجيا والبيئة بالكلية المتعددة التخصصات بالقصر الكبير.
إنها خطوة أولى تبشر بانطلاقة واعدة نحو تنويع العرض الجامعي، وتوفير تخصصات تراعي ميولات الطلبة، وتخفف عنهم عبء التنقل والإكراهات الاجتماعية.
إن فتح تخصصات جديدة في الكلية المتعددة التخصصات بالقصر الكبير لا يعد فقط توسعة أكاديمية، بل هو استجابة إنسانية لحق الطلبة في اختيار مسارهم بحرية، دون أن يعاقبوا على انتمائهم الجغرافي. فالتخصصات في اللغات، الفلسفة، علم الاجتماع، التاريخ، الجغرافيا وغيرها، تشكل ضرورة تربوية وثقافية، لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عنها إذا أرادت أن تكون إنسانا واعيا، ومنتجا.
فتح هذه التخصصات سيخفف عن الطلبة معاناة التنقل، ويمنحهم حق اختيار المسار الأكاديمي الذي يعبر عن رغباتهم، بدل أن يفرض عليهم خيار وحيد لا يناسبهم. كما أنه سيكرس العدالة المجالية، ويعيد الاعتبار لمدينة القصر الكبير كمركز علمي. وعليه، فإن كل غيور على أبناء الإقليم من فاعلين تربويين، منتخبين، جمعيات، إعلاميين، وأطر محلية مدعو لطرق كل الأبواب، من مراسلة رئاسة الجامعة ووزير التعليم العالي، إلى تنظيم لقاءات تحسيسية، والترافع الجماعي قصد الإسراع بفتح هذه التخصصات، وتحويل الكلية إلى فضاء أكاديمي يتكامل مع كلية العرائش المحتضنة للتخصصات العلمية، ويجسد تطلعات المدينة، ويلبي حاجات أبنائها.
إنه ليس مجرد مطلب جامعي، بل نداء إنساني وتربوي، ينطق باسم آلاف الطلبة الذين ينتظرون أن يفتح لهم باب الأمل، في مدينتهم، وبين أهلهم، دون أن يجبروا على الرحيل أو التنازل عن أحلامهم.