” الانتحار”

1 نوفمبر 2021

ذة. سمية نخشى
(بين حقيقة الأسطورة ووهم الواقع)

تعلمنا و نحن طلبة ضمن المبادىء الأولى للمنطق الصوري الآرسطي ان النقيضان لا يجتمعان ، فإما حق أو باطل و الثالث مرفوع، واستوعبنا مع الدروس الأولى للفلسفة أن الأسطورة وهم و خيال وهي نقيض الواقع و الحقيقة معا . ثم أقنعني باولو كويلو في قصة الخيميائي ( l’alchimiste ) أن الأسطورة ليست وهما و لا خيالا بل واقعا و خيارا، و أن لكل انسان أسطورة عليه إن يعيشها حتى النهاية ، و قبل ذلك عليه إن يكتشفها و يتعرف عليها داخل ذاته، ثم يتبع مساراتها سعيا لتحقيق معنى وجوده في أي زمان و في كل مكان.
ليصدمني الواقع بظاهرة اقتربت منا كثيرا هي: الانتحار الذي ارتفع مؤشره ، تعددت و تواترت حالاته ودق ناقوس خطره و قد تداخلت واجتمعت فيه كل المتناقضات، فاصبح ضمنها الواقع وهما ، الحقيقة سرابا و تخلى فيها الإنسان عن أسطورته، تنازل عن آماله و أحلامه لينحاز في لحظة معينة لقرار يعارض به الفطرة و منطق الحياة المحكوم بغريزة حب البقاء ، إن كانت هي الغريزة الاصلية التي نحملها معنا منذ الولادة ، و هي الضامنة لاستمرارية النوع البشري.
فمن أين يستمد الإنسان( المنتحر) القدرة على إلغاء هذه الغريزة ، إعدام واغتيال الحياة منتصرا للرغبة في الموت، متمكنا من فك شيفرتها وقابضا بيد من حديد على آلياتها.
كيف يتمكن ، في لحظة ما من تملك مفاتيح السلطة و ميكانيزماتها ، فيصبح قاضيا ، جلادا و ضحية، إذ يقرر و ينفذ ثم يحمل المجتمع بأسره وزر و مسؤولية موته .
كيف يتوفق في استئصال وجود بات يضطهده متنازلا عن روابطه ووشائجه الأسرية و العائلية. ، كيف يستبيح دمه .
هل هي لحظة ضعف أم أوج القوة أن يختار الإنسان نهايته ، هو الذي لم يختر البداية ، إن يعزم على الرحيل و يرجح كفة الغياب.
هل الانتحار هو تملص من المسؤولية أم إخلاء لها، هل هو هروب من الواقع أم لجوء للاسطورة. الا يمكننا اعتباره شكلا من أشكال الأسطورة اختارها و يعيشها الإنسان العاجز عن التأقلم مع واقع أو ظروف معينة ، فيتمكن في الاخير من إخراج و صنع نهاية أسطورية لا يجرؤ عليها إلا إبطال من طينة خاصة ، هزمتهم الحياة ، فانتصروا عليها بالموت و لسان حالهم يقول : “هزمتكم جميعكم يا من خنتم عهدي وودي ” .
فلماذا هذا التطبيع في مجتمعنا مع ظاهرة غريبة عن منطق الحياة، شاذة عن القيم الدينية، دخيلة على المبادىء الإنسانية.
حينما نحاول فهم و تفسير هذه الظاهرة نلجأ عادة للعلوم الإنسانية، لكن علينا ألا ننسى ان هذه الأخيرة ظهرت كمنتوج بورجوازي لتطويع الطبقة العاملة ، و انها ربيبة الليبرااية المتوحشة. لهذا فلو طرقنا باب علم الاجتماع ،الكلاسيكي فسنجد السوسيولوجي دوركايم على سبيل المثال يعزو هذه الظاهرة لغياب التماسك الاجتماعي
في المجتمع الفرنسي ، لكن التماسك الاجتماعي هو مجرد نتيجة و ليس سببا، و لو عرجنا على مدارس علم النفس فجوابهم واحد: الاضطرابات النفسية المؤدية إلى الاكتئاب الذي لو أصبح حادا قد يكون دافعا للانتحار.
اعود ثانية و اقول الاكتئاب بدوره نتيجة و ليس سببا.
لو انفتحا على الواقع، فالمؤكد إنه ليس سببا واحدا ، و من الواضح انها مسألة جد معقدة تنهش الكيان الاجتماعي، تخلخل مفاهيمه و تنخر هويته……
و لا يكن الإلمام بها إلا من خلال مقاربة مادية موضوعية تركز بالدرجة الأولى على العوامل الاقتصادية/ ااسياسية، باعتبارها المسؤولة عن : الفقر، الجهل، الأمية، التفاوتات الطبقية…..و بهذا تكون هي المنتجة لباقي العوامل الاخرى: اجتماعبة، نفسية، فكرية ثقافية……
لهذا حري بالجهات المسؤولة أن تتحمل مسؤوليتها تجاه هذه الفئة التي لم تعد فردية و لا استثنائية أو معزولة مشكلة ظاهرة بالمعنى السوسيولوجي للكلمة . عليها إن تولي اهتماما أكثر للمواطن، الثروة الحقيقية لأي بلد، عليها أن تفكر في لقاح يحمي من سوء التدبيرالسياسي و الاقتصادي، عليها أن تمنحنا جوازا لولوج مرافق عمومية تصون كرامة الانسان ، عليها أن ترتعب عل مستقبل أبنائنا و شبابنا مثلما جعلتنا نرتعب من فيروس لعين أصبح اداة للابتزاز السياسي و الاقتصادي . عليها أن تتصدى للاوبئة و الآفات التدبيرية و تمكننا من جواز لتعليم عمومي جيد، للاستشفاء ناجع و لفرص شغل منظم و مهيكل……
اخيرا ، لا يسعني إلا أن أقول ان في الانتحار ثمة إرادة غريبة تغزو كيان الإنسان، لا أعرف بالضبط هل هي إرادته الخاصة، إرادة المجتمع و الظروف الجائرة ، أم إرادة جينات عبثت بها وراثة مجنونة…..
لكنها في جميع الحالات ليست إرادة الحياة التي روج لها الفيلسوف شوبنهاور……

“هي هلوسة من هول الصدمة.”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading