مقام البوح 7: رحماء القصر

8 أغسطس 2023

محمد أكرم الغرباوي

يتوسط القصر مستشفى كبير بطراز معماري مدني، بطابق أرضي وعلوي ، وجناح الرجال و آخر للنساء و الأطفال ،
غرفة المستعجلات بمدخل المبنى . وقاعة الولادة أقصى الممر الأرضي ، هكذا كنا نتذكر ونحن نتوغل لنقرأ اليافطات و نكتشف الممرات كلما اتيحت لنا فرصة عيادة مريض .
على جناح المدينة القديمة وبالقرب من مبنى يحرسه رجل سلطة قيل لنا أنه” سجن فلاحي ” خاص بمنازعات الفلاحين بالقرى و البوادي المجاورة للمدينة .
فضاء مستوصف الخلخالي . من هو الخلخالي ؟ لا أعلم . كلما زرته شممت رائحة الدواء . وذكريات الطابور المدرسي الطويل من أجل أخذ قطرات أو خط من – البومادا الصفراء- دواء العين . أو وخز إبرة لقاح . بإبتسامة ممرضات أنيقات شبيهات بمن نراهم بمقرراتنا الدراسية . كانت القصر الكبير ومرافقها هادئة تنعم بمدنيتها المتواضعة و بما تقدمه لآهاليها من خدمات . كل الأجداد يذكرون و يتحدثون عن الطبيب الإسباني الذي أخلص للسكان و المدينة ، جاء زمن الإستعمار الإسباني من غرناطة طبيبا . ورحل بعد الإستقلال ثم عاد من جديد ليقدم خدمات داخل عيادته و بأسواق القرى المجاورة . الطبيب أرنيط أو هرنيط كما نطقها الكثيرون ….
بعده استقرت المدينة ، و استقرت بها المسعفات الإجتماعيات ( رمانات / الأخوات ) اللواتي اخترن مركز الكنيسة مكان اقامتهن ، و المستشفى مكان عملهن . عرفن جميعا بالمخلصات الكثيرات لواجبهن الإنساني، فعشقتهن الأسر . ومنهن إمرأة عرفت بالبولونية اختارت النساء أن تسميها بالطبيبة الرهيبة ( الأخت ) بدل الطبيبة النصرانية ، أحبها العديد لماقدمته داخل غرف الولادة و الإستشفاء .
ولأن الألم غذار ومنفلث كزئبق ماكر . قاومه و تصدى له رجل دخل البيوت باعثا الأمل مضمدا للجروح . ببذلته المدنية الأنيقة ، ربطة عنق و حقيبة إسعاف يدوية ، بعد تحية و سلام وأدب و تأدب رفيعين يأخذ المسعف الإنساني – سي عمار ، هكذا بمد الميم – مكانا و يطمئن المريض يفتح الحقيبة المدهشة ، ويحارب الألم وحزن الأسر .
نذكر أن البحث عن دواء كان أمرا بسيطا جدا . يكفي الوقوف بصف منتظم أمام صيدليتي المدينة نهارا أو الليلية ذات الدوام اليومي – التي اختير لها مكان بالقرب من قصر البلدية ( جمال الإسم السياسي و أخلاقياته ).
[ الأمر كان يسعد الساكنة ولايرهقها عكس ما هو عليه الأمر الآن للأسف .]
ونذكر الكثيرات من الوليات و الشريفات و الأولياء و الفقهاء من ورثوا البركات و النيات و حسن التدبير في عمليات التمريض ودفع الأضرار ومنها ( الشقيقة أو المكلفة ) ضربات الشمس بإستعمال أوراق شجر الكليط ( الصنوبر) أو التداوي من بعض الأمراض الموسمية و التعفنات الجلدية أو ( الجبيرة ) إرجاع الكسور و العظام إلى مكانها . أو عمليات التدليك و الترويض بإستعمال أدوات بسيطة كالقصب وزيت الزيتون و ثوب أبيض شفاف معروف بحياتي مع خلطات بقايا عظم الزيتون و أوراق بعض الأشجار …
كانت زياراتهم بمنازلهم عفوية دون إستئذان أو موعد مسبق كافية للتداوي مقابل دعوات و دريهمات سميت تواثرا بالفتوح .
كانت المدينة القصر مفعمة بطاقات التنصل من بداويتها و لمعانقة إرثها التاريخي كأحد أقدم حواضر مملكتنا الشريفة . إحتضنت الكفاءات الأجنبية بمؤسساتها التعليمية و الصحية و الإجتماعية و رحل أبناؤها وبناتنا للمهجر طلبا للتحصيل الأكاديمي و بنوا تاريخا مجيدا .
هو نفسه المجد يساءلنا كيف أضعناه وضيعناه . وهو نفسه الأمل يوقض هممنا لبعث و نهضة و همة من جديد . كرحمة أخرى تنقذنا من هذا العبث و التعنث و التيه .
محمد أكرم الغرباوي
كاتب ومخرج مسرحي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading