
محمد أكرم الغرباوي
يتوسط القصر مستشفى كبير بطراز معماري مدني، بطابق أرضي وعلوي ، وجناح الرجال و آخر للنساء و الأطفال ،
غرفة المستعجلات بمدخل المبنى . وقاعة الولادة أقصى الممر الأرضي ، هكذا كنا نتذكر ونحن نتوغل لنقرأ اليافطات و نكتشف الممرات كلما اتيحت لنا فرصة عيادة مريض .
على جناح المدينة القديمة وبالقرب من مبنى يحرسه رجل سلطة قيل لنا أنه” سجن فلاحي ” خاص بمنازعات الفلاحين بالقرى و البوادي المجاورة للمدينة .
فضاء مستوصف الخلخالي . من هو الخلخالي ؟ لا أعلم . كلما زرته شممت رائحة الدواء . وذكريات الطابور المدرسي الطويل من أجل أخذ قطرات أو خط من – البومادا الصفراء- دواء العين . أو وخز إبرة لقاح . بإبتسامة ممرضات أنيقات شبيهات بمن نراهم بمقرراتنا الدراسية . كانت القصر الكبير ومرافقها هادئة تنعم بمدنيتها المتواضعة و بما تقدمه لآهاليها من خدمات . كل الأجداد يذكرون و يتحدثون عن الطبيب الإسباني الذي أخلص للسكان و المدينة ، جاء زمن الإستعمار الإسباني من غرناطة طبيبا . ورحل بعد الإستقلال ثم عاد من جديد ليقدم خدمات داخل عيادته و بأسواق القرى المجاورة . الطبيب أرنيط أو هرنيط كما نطقها الكثيرون ….
بعده استقرت المدينة ، و استقرت بها المسعفات الإجتماعيات ( رمانات / الأخوات ) اللواتي اخترن مركز الكنيسة مكان اقامتهن ، و المستشفى مكان عملهن . عرفن جميعا بالمخلصات الكثيرات لواجبهن الإنساني، فعشقتهن الأسر . ومنهن إمرأة عرفت بالبولونية اختارت النساء أن تسميها بالطبيبة الرهيبة ( الأخت ) بدل الطبيبة النصرانية ، أحبها العديد لماقدمته داخل غرف الولادة و الإستشفاء .
ولأن الألم غذار ومنفلث كزئبق ماكر . قاومه و تصدى له رجل دخل البيوت باعثا الأمل مضمدا للجروح . ببذلته المدنية الأنيقة ، ربطة عنق و حقيبة إسعاف يدوية ، بعد تحية و سلام وأدب و تأدب رفيعين يأخذ المسعف الإنساني – سي عمار ، هكذا بمد الميم – مكانا و يطمئن المريض يفتح الحقيبة المدهشة ، ويحارب الألم وحزن الأسر .
نذكر أن البحث عن دواء كان أمرا بسيطا جدا . يكفي الوقوف بصف منتظم أمام صيدليتي المدينة نهارا أو الليلية ذات الدوام اليومي – التي اختير لها مكان بالقرب من قصر البلدية ( جمال الإسم السياسي و أخلاقياته ).
[ الأمر كان يسعد الساكنة ولايرهقها عكس ما هو عليه الأمر الآن للأسف .]
ونذكر الكثيرات من الوليات و الشريفات و الأولياء و الفقهاء من ورثوا البركات و النيات و حسن التدبير في عمليات التمريض ودفع الأضرار ومنها ( الشقيقة أو المكلفة ) ضربات الشمس بإستعمال أوراق شجر الكليط ( الصنوبر) أو التداوي من بعض الأمراض الموسمية و التعفنات الجلدية أو ( الجبيرة ) إرجاع الكسور و العظام إلى مكانها . أو عمليات التدليك و الترويض بإستعمال أدوات بسيطة كالقصب وزيت الزيتون و ثوب أبيض شفاف معروف بحياتي مع خلطات بقايا عظم الزيتون و أوراق بعض الأشجار …
كانت زياراتهم بمنازلهم عفوية دون إستئذان أو موعد مسبق كافية للتداوي مقابل دعوات و دريهمات سميت تواثرا بالفتوح .
كانت المدينة القصر مفعمة بطاقات التنصل من بداويتها و لمعانقة إرثها التاريخي كأحد أقدم حواضر مملكتنا الشريفة . إحتضنت الكفاءات الأجنبية بمؤسساتها التعليمية و الصحية و الإجتماعية و رحل أبناؤها وبناتنا للمهجر طلبا للتحصيل الأكاديمي و بنوا تاريخا مجيدا .
هو نفسه المجد يساءلنا كيف أضعناه وضيعناه . وهو نفسه الأمل يوقض هممنا لبعث و نهضة و همة من جديد . كرحمة أخرى تنقذنا من هذا العبث و التعنث و التيه .
محمد أكرم الغرباوي
كاتب ومخرج مسرحي
