
بقَلم: د. محمد الشاوي
يا سماءَ الخُلْدِ ذكِّري إبراهيمْ
بالبلاءِ المبينْ
«أبي.. يا أبتِ..!»
افعلْ ما تُؤمرْ
«أبي.. يَا أَبَتِ..!»
أنا ما كنتُ لأتراجعْ..!
أهي رؤياكَ، قدرك، أم خاتمتك؟
ها أنا ذا للطاعة أرتضي غَدْوًا
وللطريقِ المُمْتَدِّ أتنفسُ رَوْحًا
كأني بربوةِ الريحانِ صونًا
وبنسيم المنايَا
يتصبَّبُ من عرقي دمًا
يُصارعُ نحيبَ الطبولْ
يُمزِّقُ دفوفَ الرجوعْ
«أبي.. آهٍ يَا أَبَتِ..!»
ما تفعلُ يا إسماعيلْ؟
أَأَنتَ محاطٌ بالسكينْ؟
أوَّاهُ يا سكينْ..!
إياكَ.. إياكَ..!
هالكٌ لا محالهْ!
يَطلبُ إسماعيلْ
يَتوسَّلُ بالجلالهْ
بالعطفِ الإلهيِّ
إياكَ.. إياكَ..!
نعبدُ، نستعينُ، نتضرَّعْ
لم يكن إسماعيل ليرتجي غيرهْ
ليستسلم لسواهْ
ليَقضيَ أمرهْ
ليُنفعَ ذِكْرُهْ
إنَّا للتضحيةِ الشجيَّةِ حَزْمًا
وإنَّا إلى الفداءِ السَّرمدي عَزْمَا
«أبي.. آهٍ يَا أَبَتِ..!»
ها هو ذا اليومُ الموعودْ
ما باله يُنَكِّئُ الجُرح المفجوعْ؟
ما باله يُجدِّدُ قُربان الخُضوعْ؟
ها هو ذا يمشي خُيلاءَ لِلْقدرِ المحتومْ
يُفجِّرُ ينابيعَ العهودْ
يُقرِّعُ الجسدَ المنسيَّ زمنًا
كنتَ فيه كالبرعم تفتحًا
كالطَّيْرِ الجريحِ
يُجَرْجِرُ رِيشهُ قُرْبانًا
أما قُلْتَ: ستكونُ صابرًا
تُعانقُ الدُّجى
مُحتسبًا كالحديدِ
تُحطِّمُ الجبالَ صممَا
ومُنتظرًا تُناجي الرؤيا قمرَا
ومُكشِّرا عن صبركَ تحت السُّفوحِ
وفي المدى تَضعُ حجرًا أسودَا
«أبي.. أبي.. يَا أَبَتِ..!»
هيا نفذْ ما أُمرتْ!
كبدكَ، قلبكَ، روحكْ
دمكَ، نفسكَ، ضناكْ
أما آن للقبر أن يَفتحَ صدره للمُضحينْ؟
وللشهادةِ أن تُنالَ بتَلِّ الجبينْ؟
«أبي.. أبي.. آهٍ يَا أَبَتِ..!»
كأني بالذِّبْحِ العظيمْ
يَرتعشُ إشفاقًا
يُجهشُ بَطْنَ (ثَبِير) نُوَاحًا
يَتَساقطُ دمهُ ويَبْكِي فرحًا
«أبي.. أبي.. آهٍ يَا أَبَتِ..!»
يَحمدُ إبراهيم ربَّهُ
يَحضنُ وحيدَهُ
يَطلبُ رضاهُ
«أبي.. أبي.. آهٍ يَا أَبَتِ..!»
أما قلتُ لكَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾
أما قلتُ لكَ: أنا ما كنتُ لأتراجعْ..!
«أبي.. أبي.. آهٍ يَا أَبَتِ..!»
فيكَ انطوتْ مُهْجَتِي
فيك ارتوتْ أساريرُ فؤادِي
فاصدع على الأرضِ بطاعتي
«أبي.. أبي.. آهٍ يَا أَبَتِ..!».