حتّى لا نخدش جلال الكلمة

2 نوفمبر 2022

ذة : حنان قدامة

الكلمة وما يدريك ما الكلمة، ما يدريك من نبلها وجلالها… من سحرها وجمالها .
تمّ قضاء الله وإرادته التّكوينية بكلمة ، فكلمة “كن “صنعت الوجود،.عبّر ويعبّر الفكر الإنساني عن ذاته بكلمة، زحفت الجيوش بفعل كلمة ، وغردت حمائم السلام بفضل كلمة. فكم من دم سفكه فم، وكم من سلام زفّه كلام . إن اللغة هي رباط الإنسانية وخاصية من خصائصها، بها تفرّد الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى .
هي من الأمور المعقّدة القليلة التي تجعل من الحيوان إنسانا على حدّ قول” روبرت فولي” باحث الإنسانيات وأستاذ التّطور البشري في جامعة” كامبريدج “.
منذ القدم اهتّم الباحثون والدّارسون بموضوع اللغة والكلام، انشغلوا بسؤال الأسبقية بينها وبين الفكرة ، اختلفوا في الإجابة لكنهم أجمعوا على اعتبار الكلمة وعاء المعنى ، هي الفكرة في حالة الإفصاح والتّعبير عن نفسها ومن ثمة فالعلاقة بين الكلمات والأفكار علاقة متداخلة ومتفاعلة .فما يحكم على جلال وخواء الكلمة هو رشاد وضلال الفكرة.والذي يميز الكلام الهادف عن اللغو والمهاترة هو الفكر.
إنّ ضبط الكلمة في مسارها الهادف والبنّاء يظلّ أمرا ملحّا، فالكثير من المواقف والأفكار والسلوكيات تتشكّل عبر النطق بالكلمة، الوعاء الحامل للفكرة المعبّرة عن مكنونات الإنسان والموجّهة للفرد والمجتمع .
اللاّفت أن قوّة الكلمة وعدلها جعلها تدخل دائما في صراع مباشر مع السّلطة سواء سلطة المستعمر أو سلطة البلد . . وتكفي كلمات” بيرم التونسي” النابضة بالحياة التي استوطنت وجدان الإنسان العربي للاستدلال على ذلك .لكن اليوم في ظل الثورة التكنولوجية تجد الكلمة نفسها في مواجهة مع سلطة من نوع آخر،سلطة مدمّرة متجلّية في سلطة التفاهة والابتذال الذي اعترى بعض الآثار الأدبية والفنّية . .
في نصّ “الكلمة “الشّهير يقول الأديب عبد الرّحمان الشّرقاوي :” الكلمة نور ….وبعض الكلمات قبور.” بعض الكلمات قبور تنعى إلينا أزمة الكلمة وتدنّي الذّائقة الجمالية والأخلاقية والسّلوكية في الوطن العربي ، فقد اعتراها الخلل على مستوى الكلمة القوّة النّاعمة والبناء الأساس في أي عمل أدبي أو فنّي.
إن الكلمة الرشيدة تعدّ من موارد وعي المجتمع وتشكيله، كما أنّها تعتبر من مصادر بناء شخصية الإنسان ومن أسس ترسيخ قيمة الجمال، لا سيما لدى الناشئة .ففي الوقت الذي كانت فيه الكلمة تنمي الذائقة الجمالية وتسمو بهاأضحت اليوم بعض الكلمات تدمرها وتحاصرها بكل أشكال الرداءة وضحالة الفكر ..
كم هو مستهجن في واقعنا الآسن أن يردد تلاميذ مدرسة ابتدائية بصوت واحد كله حماس كلمات “أغنية” تمجد المخدرات:” لف لي حشيش سمعني غناي ………”.
كم هو الحال مخزي أن تسمع في حرم الجامعات المغربية والعربية كلمات جافية ونابية بدل كلمات ترسم الصلاح للفرد والمجتمع، و التي تراجع حضورها في المشهد الإعلامي العربي في ظل انتشار ثقافة الاستهلاك والنفعية ،ثقافة هزلت أهدافها ، مطالبها واحتياجاتها، فالبون شاسع بين مطلب “أعطني حريتي …أعطني الناي ” وما بين “اعطني …واعطيه .” عذرا المفعول به محذوف جوازا لضحالة المعنى..

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading