الغش المدرسي في ضوء القيم ومقاصد الشريعة

منذ ساعة واحدة
Oplus_131072

كتبه: أحمد العبودي

مقدمة :
أصبحت ظاهرة الغش في الوسط المدرسي سلوكا متفشيا إلى حدّ “التطبيع” معه، وهذا التحول القيمي الخطير انحراف سلوكي، و اختلال مس منظومة القيم التي جاءت الشريعة الإسلامية لترسيخها وحمايتها.
إن خطورة الغش تكمن في كونه مخالفة لقانون الامتحان، ولكن الأخطر هو أنه يجسد تعبيرا عن أزمة أعمق: أزمة في معنى التعلم، وأزمة في تصور القيم، وأزمة في العلاقة بين الإنسان والواجب.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة تتجاوز التفسير السطحي، لتربط الظاهرة بجذورها القيمية وبمقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ نظام الإنسان في ذاته وإزاء مجتمعه.
ويمكن مقاربة الموضوع من زاوية شرعية تربوية انطلاقا من المستويات التحليل الآتية:
المستوى الأول : الغش: من انحراف فردي إلى ثقافة ضمنية للمجتمع
فحين يصبح الغش سلوكا متكررا لا يثير الاستنكار، فإننا نكون أمام انتقال خطير من مستوى “الفعل الفردي” إلى مستوى “الثقافة الجماعية”. في هذه الحالة، لا يعود السؤال: لماذا يَغُشُّ الفرد؟ بل يصبح: لماذا لا يَغُشُّ ؟
هذا التحول يعكس تبدُّلا في معايير الحكم، حيث تتراجع قيمة الصدق، ويُعاد تأويل مفهوم الأمانة؛ تُلْبَسُ المعصية لباس “الذكاء” أو “الضرورة”. وهنا يفقد الضمير الفردي وظيفته، لأن “الجماعة” أضحت توفر له مبررا جاهزا.
ففي المنظور الشرعي، هذا الوضع أخطر من المعصية نفسها، لأنه يدل على اختلال معيار الحلال والحرام في الوعي الجماعي، إذ لم يبق الغش مجرد وقوع في الخطأ. والمشكلة لم تعد في السلوك ذاته ، بل في محاولة إعادة تعريف السلوك.
المستوى الثاني : التكييف الشرعي
الغش يدخل ضمن: الخداع والتدليس / وأكل حقوق الغير بالباطل/ و نقض الأمانة وخيانتها… وقد صح عن النبي ﷺ قوله : “من غش فليس منا” وهو نص صريح في التحريم، يدل على خطورة الغش وكونه منافيا لخلق الانتماء للإسلام.
المستوى الثالث : الغش بوصفه خللا في معنى العلم
التعلم في أصله فعل مقصود لذاته، يرتبط بتنمية العقل وتحصيل المعرفة. لكن حين يتحول إلى مجرد وسيلة لانتزاع نقطة أو شهادة، يفقد معناه، ويصبح قابلا للاختزال في مجرد ” نتيجة رقمية”.
في هذا السياق، يصبح الغش حلّا منطقيا داخل منظومة فقدت معناها أو تكاد : فالغاش أو الغشاش بصيغة المبالغة يتحدث بمنطق يقول : إذا كانت الغاية هي النقطة، فلماذا لا أختصر الطريق إليها؟ وأبحث عن أيسر المسالك وأقربها إلى النتيجة المطلوبة.
غير أن هذا التصور يصطدم بجوهر الرؤية الإسلامية للعلم، حيث لا يُنظَر إليه كوسيلة فحسب ، ولكن ينظر إليه ـ كقيمة عليا ـ في ذاته، وكعبادة تُقصد لوجه الله، وكمدخل لحفظ العقل الذي هو أحد الضروريات الكبرى في الشريعة. ومن ثم، فإن الغش زيادة على كونه يفسد منطق الامتحان والتباري الشريف، فإنه يعطل وظيفة العلم نفسها، ويُنتج معرفة شكلية بلا مضمون، وبلا روح.
المستوى الرابع : الغش وأزمة القيم
تكاد الدراسات المتنوعة تتفق على أن العامل الحاسم في انتشار الغش هو ضعف منظومة القيم. وليس المقصود بذلك غياب القيم نظريا، بل غيابها في الممارسة العملية. فالقيم قد تُدرَّس، لكنها لا تُعاش، وهذا وجه من أوجه أزمات منظومتنا التربوية.
ويتجلى ذلك في عدة مظاهر منها:
• حضور القيم في الخطاب الرسمي وغير الرسمي وغيابها في الواقع.
• غياب القدوة الصادقة المقنعة على مستوى البيئة المدرسية والمحيط الأسري والمرفق العام …
• اضطراب المفاهيم لدى المتعلم، حيث تختلط الرحمة بالتساهل، والتعاون بالتواطؤ
وهنا يحدث أخطر انحراف: إعادة تفسير القيم نفسها. فيتصور الغشاشُ أن من يساعده على الغش متعاون، ومتفهم وراق “إنسانيا” ومن يمنعه من الغش ظالم قاس. وبهذا لا يكتفي الغاش بإلغاء القيم من حساباته، بل يعيد توجيهها في الاتجاه المعاكس، الذي يخدم “مصلحته” الموهومة.
المستوى الخامس: الغش ومحاولات التفسير والتبرير
تقدم المقاربات السوسيولوجية والتربوية تفسيرات متعددة للغش: فهو إفراز لضغط الأسرة، وضعف النظام التعليمي، واللامساواة، والإحباط، أو ما يسمى بالعنف الرمزي. وهذه التفسيرات مهمة لفهم الظاهرة، لكنها لا تصلح لتبريرها، مطلقا.
فالتمييز بين “ما يفسر” و”ما يبرر” تمييز ضروري. لأن الشريعة تقر بوجود الضغوطات ، لكنها لا تجعلها أعذارا مبيحة للمحظور. كما أن مجالات الضرورة الشرعية وحدودها معلومة عند الفقهاء، لكن فتح باب الغش بمبررات وهمية يؤدي حتما إلى انهيار معيار المسؤولية الفردية والجماعية.
المستوى السادس: الغش والعدالة
من أخطر آثار الغش أنه يضرب مبدأ العدل أو مبد أ تكافؤ الفرص، يضربه في الصميم. فالامتحان يُفتَرَض أن يكون أداة لقياس الاستحقاق، فإذا دخلته وسائل غير مشروعة، اختلت نتائجه، وتساوى المجد مع المتهاون ، أو ربما يتفوق غيرُ المستحق.
هذا الاختلال لا يتوقف عند حدود المدرسة، بل يمتد إلى المجتمع، حيث يُفتح الباب لتولي غير الأكفاء مواقع المسؤولية. وهنا يتحول الغش إلى مدخل لفساد أوسع، لأنه يُخِلُّ بمنطق التوزيع العادل للفرص.
وفي ميزان الشريعة، العدل ليس قيمة ثانوية، بل هو أساس العمران. وكل ما يؤدي إلى نقضه يدخل في دائرة المنع، ولِما يُفضي إليه من نتائجَ ومن آفات. وعبارة ابن خلدون تفسر ذلك : “الظلم موذن بخراب العمران”
المستوى السابع : الغش وسلسلة الانحراف
الغش لا يأتي منفصلا عن غيره من السلوكات المنحرفة، بل يرتبط غالبا بسلسلة من الاختلالات ومن ذلك : ضعف الانضباط، الغياب والانسحاب، والعنف، وفقدان الدافعية…
ومن الناحية القيمية، فإن المعصية تهيئ النفس لما بعدها. ومن الناحية النفسية، فإن النجاح غير المستحق يضعف الثقة الحقيقية بالنفس، ويجعل الفرد يعتمد على الحيل بدل الجد والجدارة.
وهكذا يتحول الغش من حل مؤقت إلى نمط دائم، يلازم الفرد خارج المدرسة، وربما في العمل والعلاقات العامة.
المستوى الثامن : التقنية الحديثة أداة مزدوجة
أدخلت الوسائل الرقمية بعدا جديدا للغش، حيث سهلت وسائله ووسعت نطاقه. لكنها في الوقت نفسه تتيح إمكانات كبيرة للوقاية والمراقبة ، إذا استُثمرت في بناء الوعي والحفاظ على النظام.
وهنا يظهر مبدأ شرعي مهم: الوسائل لا توصف بالحلال أو الحرام لذاتها، بل بحسب استعمالها. فالتقنية قد تكون بابا للمعرفة أو بابا للغش، والفيصل في ذلك هو المنظومة القيمية التي تَحكُم استخدامَها.
المستوى التاسع: الغش بين الزجر وبناء الإنسان
المعالجات المقترحة غالبا ما تتأرجح بين اتجاهين: تشديد العقوبات، أو التركيز على التربية. والواقع أن الاقتصار على أحدهما لا يكفي.
فالزجر ضروري لحماية النظام ومنع التسيب، لكنه يعالج الظاهر فقط. أما بناء القيم وترسيخها في نفوس النشء، فيعالج جذور الآفة، وإن كان يحتاج وقتا وجهدا واستمرارية.
وواضح أن المنظور الشرعي يجمع بين الأمرين: يردع الظاهرة من الخارج، ويبني الإنسان من الداخل. لأن الامتناع الحقيقي هو الذي ينبع من القناعة ومن الوازع الداخلي، لا من الخوف فقط.
المستوى العاشر: دور الأسرة والمدرسة
لا يمكن عزل الغش عن محيطه. فالأسرة التي تضغط من أجل النتيجة فقط، أو التي تتساهل مع الوسائل، تساهم بشكل مباشر في تكريس الظاهرة. والمدرسة التي لا تجسد القيم في ممارساتها اليومية وضمن أنشطة الحياة المدرسية، تفقد قدرتها على التأثير.
في المقابل، حين تتكامل أدوار الأسرة والمدرسة في التحفيز والمتابعة وتقديم القدوة …يتشكل لدى المتعلم تصور متوازن، يجعله يرى النجاح في الجهد، لا في التحايل.
اساتنتاج عام حول فهم مركب للظاهرة:
يتبين أن الغش ليس ظاهرة بسيطة يمكن اختزالها في عامل واحد، بل هو نتاج تفاعل عدة عناصر:خلل في القيم وغياب الوازع الديني، فقدان المعنى، ضغط اجتماعي، اختلال في النظام، ضعف في الوعي..
ولهذا فإن معالجته تتطلب رؤية مركبة، لا تكتفي بإدانته، بل تعيد بناء السياق الذي ينتجه.
خاتمة: الغش المدرسي، في حقيقته، ليس مجرد مخالفة لقانون الامتحان،وإنما هو مؤشر على اختلال أعمق في علاقة الإنسان بالقيم، وبالعلم، وبالواجب. وهو في ميزان الشريعة مفسدة تمس جملة من المقاصد: تضعف الدين، وتعطل العقل، وتخل بالعدل، وتفتح أبواب الفساد.
غير أن خطورته الكبرى تكمن في قابليته للتحول إلى ثقافة، إذا لم تُستأصل جذوره. ولذلك فإن مواجهته لا تكون فقط بتشديد الرقابة، بل بإعادة الاعتبار للقيم التي تضبط السلوك من الداخل، وبإحياء معنى العلم، وبترسيخ مبدأ الاستحقاق.
حينها فقط، يمكن أن يعود الامتحان إلى وظيفته الحقيقية، ويستعيد النجاح معناه، ويتحقق الانسجام بين المعرفة والأخلاق، وهو المقصد الأسمى لكل تربية رشيدة.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading