
بقلم الأستاذة : الزهرة الحميمدي
في كل موسم انتخابي، تتسع مساحة الاختلاف، وهذا في حد ذاته أمر صحي؛ فالديمقراطية لا تنمو في أرضٍ متشابهة الآراء، ولا تحتاج إلى أصواتٍ متطابقة بقدر حاجتها إلى تعدد الرؤى.
غير أن الاختلاف يفقد معناه الجميل حين يتحول إلى خصومة، وتتحول الخصومة إلى تجريح، ثم يصبح الكلام النابي وسيلةً لإسقاط الآخر.
مؤسف جدا أن يصل النقاش السياسي أحيانًا إلى هذا المنحدر؛ أن تُترك الأفكار جانبًا، وتُفتح دفاتر العداوات الشخصية، وكأن الطريق إلى إقناع الناس يمر عبر إهانة من نختلف معه.
السياسة، في جوهرها، اختلاف في الرؤى والبرامج والمواقف، وليست حربًا على كرامة الأشخاص.
قد أختلف معك في موقف، وأرفض فكرتك، وأنتقد تدبيرك، بل وقد أرى أنك أخطأت في تقدير أمر ما… لكن ذلك كله لا يمنحني الحق في إهانتك.
فالاختلاف لا يلغي الاحترام، والنقد لا يحتاج إلى شتيمة، وقوة الحجة لا تحتاج إلى ارتفاع الصوت.
والأغرب أن بعض الخصومات الانتخابية تُخاض وكأنها معارك أبدية، بينما الانتخابات نفسها عابرة. تنتهي الحملة، تُغلق الصناديق، تظهر النتائج، ثم تعود الحياة إلى تفاصيلها اليومية؛ ويبقى الأشخاص، رغم اختلاف مواقعهم ، أبناء مجتمع واحد، تجمعهم شوارع واحدة وذاكرة واحدة ووطن واحد.
لذلك، يبدو أن أجمل ما يمكن أن نربحه من أي استحقاق انتخابي ليس فقط اسم الفائز، وإنما مستوى الخطاب الذي تركه وراءه.
فالسياسة التي تجعل الإنسان أكثر قسوة على أخيه الإنسان ليست سياسةً ناضجة، مهما كانت شعاراتها براقة.
وما أحوجنا، في هذه المرحلة، إلى اختلافٍ يحترم العقل، ونقدٍ يحترم الإنسان، ومنافسةٍ لا تُفسد ما بين الناس من جسور.
فقد نختلف في كل شيء تقريبًا،
لكن ليس من الضروري أن نختلف في الأخلاق والقيم الإنسانية …