
ذ :
قال ذات يوم ، ملك فرنسا :” لويس الرابع عشر “:
” لو لم أكن ملكا لفرنسا ، لوددتُ أن أكون محاميا “.
لعل ما يلفت نظر كل متردد على المحكمة ، هي البذلة السوداء التي يرتديها المحامي .
و هي تضفي على من يلبسها بعض الوقار و الهيبة .
فما هي ، ياترى ، هذه البذلة ؟ ، و ماهو التأطير القانوني لها ؟ و مادلالة اللون الأسود ؟ و لما يرمز ؟ .
تحتوي البذلة المهنية للمحامي ، على رداء أسود مع باقة كتفية و ربطة عنق من الحرير الأبيض .
و بتاريخ : 18| 03| 1914، صدر ظهير بشأن حماية مهنة المحاماة ، نص في فصله الأول على أنه :” تطبق عقوبات الفصل 47 من ظهير المسطرة المدنية على كل الأشخاص المقيمين في منطقة الحماية الفرنسية بالمغرب و هم غير مقيدين بصفة رسمية في إحدى هيآت المحامين بالمنطقة المذكورة “.
و صدر بعد ذلك ظهير : 10|01|1924 ، حيث تطرق الفصل : 29 منه على ما يلي :
” يرتدي المحامون بالجلسات نفس البذلة التي يرتديها المحامون بفرنسا “.
و أما ظهير : 1-59-102 المؤرخ في : 18| 05|1959، المتعلق بتنظيم هيئة المحامين و مزاولة مهنة المحاماة ، فإنه ينص في المادة : 31 على مايلي :
” لا يخول للمحامي أن يمثل أمام جلسة محكمة ما إلا مرتديا ” جبة المحامي “.كما أن القانون الجنائي الصادر بتاريخ : 26| 11| 1962 ، فقد نص في فصله 381 على :” من استعمل أو ادعى لقبا متعلقا بمهنة نظمها القانون أو شهادة رسمية أو صفة حددت اللقب أو تلك الشهادة أو تلك الصفة ، يعاقب بالحبس من 3 أشهر إلى سنتين (2س) و غرامة من 120 إلى 500درهما .
و نص المرسوم الملكي بمثابة قانون رقم : 81665المنظمة بموجبه نقابات المحامين و مزاولة مهنة المحاماة في الفصل : 31 على :
” أيا كانت المحكمة التي يتقيد بها المحامي ، فإن هذا الأخير لا يمكنه أن يظهر في قاعات المحاكمات إلا مرتديا لباس المحاماة “.
أما الظهير رقم :رقم : 1- 79 – 306 المؤرخ في : 08| 11| 1979 ، و الذي تنظم بموجبه نقابات المحامين و مزاولة مهنة المحاماة ، فإنه ينص في المادة 41 منه على :
” يتعين على المحامي أن لا يحضر في قاعة الجلسات بجميع المحاكم إلا مرتديا بذلة المحاماة “.
أما القانون رقن :28_ 08 المنظم لمهنة المحاماة و الصادر بتنفيذه الظهير رقم :01-08-101 و المؤرخ بتاريخ : 20|10|2008 ، فإنه لم يأت بأي جديد بخصوص البذلة ، إذ حافظ على الفصلين :37و 99بدون تغيير .
و لا حاجة إذن ، للتذكير أيضا بأن البذلة تلبس في غرفة المحامين – إن وُجِدت – ، أو في أي مكان بعيد عن أعين العموم ، و أنه لايحق للمحامي ارتداءها أو المشي بها في الشارع باستثناء تشييع جنازة أحد المحامين .
و أن على المحامي حينما يكون بالشارع ، أن يضع بذلته بمحفظته ، احتراما لها و لرمزيتها باعتبار أن الكلام عن البذلة هو في نفس الآن كلام عن مهنة المحاماة ، لأن البذلة ترمز لها و إلى قدسيتها .
و من تم جاءت عبارات الدفاع عن المهنة و ” احترام البذلة” أي احترام المهنة .
لماذا ، يا ترى ، يلبس المحامي بذلة سوداء اللون ؟
في عام 1791 و بالتحديد في فرنسا ، كان أحد القضاة الفرنسيين جالسا في شرفة منزله ، يقضي بعض الوقت ، و يستمتع بجمال الطبيعة و يستنشق هواء منعشا ، فإذا به يشاهد مشاجرة بين شخصين ، انتهت بقتل أحدهما و هروب الشخص القاتل … و حاول أخد المارة انقاذ الضحية ، و عندما أخذه إلى المستشفى لإسعافه ، لفظ أنفاسه الأخيرة ، بعد ذلك تم إلقاء القبض على المنقد و اتهم بقتل ذاك الرجل و الحال أنه كان بريئا من تهمة القتل .
و من مكر الصدف ، فقد كان القاضي الذي شاهد الجريمة هو الذي سيتولى الحكم في القضية .
و بما أن القانون الفرنسي لا يعترف إلا بالدلائل و القرائن ، فقد حكم على المتهم بالإعدام ، على الرغم من كونه يعلم ببراءته .
و مع مرور الأيام ظل القاضي يؤنب نفسه المعذبة من جراء ارتكابه هذا الخطأ الفادح ، و لكي يرتاخ من عذاب ضميره ، اعترف أمام الرأي العام بما حصل و أن حكمه كان ظالما في حق المتهم / المنقد .
ثار هذا الأخير ضده و اتهمه بأنه لا يملك ضميرا مهنيا حيا .
و ذات يوم و أثناء النظر في إحدى القضايا ، كان هذا القاضي هو نفسه الذي يرأس الجلسة .
فلاحظ أن المحامي الذي سيرافع في الملف يلبس روبا أسودا ، فسأله القاضي :
” لماذا ترتدي هذا الروب الأسود ؟ ”
فأجابه المحامي :
” وددت فقط أن أذكرك بما فعلته من قبل ، حيث حكمت ظلما على شخص بريء ، و كان حكمك قاسيا جدا ، حيث عاقبته بالإعدام .
و من تم أصبح الروب الأسود هو الزي الرسمي لمهنة المحاماة.و كان ارتداءه حزنا على وأد و ضياع العدالة .
و من فرنسا انتقل إلى باقي بلدان العالم .
يتبع …
تشكيل : إدريس حيدر