حوارات مع وجوه ثقافية : مع الأستاذة فاطمة الزهراء المهدون.

29 يونيو 2026
Oplus_131072

حاورتها : أمينة بنونة

الحلقة الأولى:
لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المدرس؟ بل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: أي مدرس نحتاجه في عصر الذكاء الاصطناعي؟

فاطمة الزهراء المهدون أستاذة وباحثة مغربية متميزة في مجال علوم التربية والتعليم الرقمي، واكتسبت شهرة واسعة بعد تتويجها بلقب “أفضل أساتذة في العالم لعام 2023” (Global Teacher Award) في المسابقة الدولية التي تنظمها منظمة “AKS Education Awards” في الهند، متفوقة على منافسين من أكثر من 130 دولة.
نالت الجائزة الدولية بفضل مشروعها التربوي المبتكر واشتغالها على موضوع “التنمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي”، إلى جانب تميزها في إدماج تكنولوجيا التربية الحديثة والإنتاج الرقمي في التدريس، ونشاطها كمكونة ومدربة مع جمعيات تهتم بالتعليم الرقمي.
واصلت تميزها الأكاديمي والتربوي حيث نالت أيضاً جائزة “الأستاذ المبتكر” عام 2024.
تُعد الأستاذة فاطمة الزهراء المهدون نموذجاً مشرفا للأطر التعليمية المغربية والعربية التي تسعى لتطوير الممارسات البيداغوجية (التعليمية) وربط الفلسفة بقضايا العصر الرقمي وتحديات الشباب الحالية.

أجرت الحوار: أمينة بنونة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
✓ بداية، هل يمكن أن تقدمي للقارئ بطاقة تعريفية عن مسارك العلمي والمهني؟ ومن هي فاطمة الزهراء المهدون بعيدا عن الألقاب والمهام الرسمية؟

أعتبر أن مساري العلمي ك رحلة بحث متواصلة عن الإنسان من زوايا متعددة. بدأت بدراسة العلوم الفيزيائية في مرحلة البكالوريا، وهي تجربة أكسبتني الدقة في التفكير والبحث عن العلاقات المنظمة للظواهر. لكنني كنت أشعر دائما بأن أكثر الأسئلة التي تستوقفني ليست تلك المرتبطة بالعالم المادي فقط، بل تلك التي تتعلق بالإنسان: كيف يفكر؟ كيف يتعلم؟ وكيف تتشكل شخصيته؟ لذلك اتجهت إلى دراسة علم النفس بجامعة ظهر المهراز، ثم واصلت تكويني في علوم التربية بكلية علوم التربية بالرباط، حيث وجدت فضاءً يجمع بين التفكير العلمي والاهتمام بالإنسان باعتباره محور العملية التعليمية.
منذ أكثر من عشر سنوات أشتغل أستاذة لمادة الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي، وهي تجربة لم أتعامل معها يوما باعتبارها مهنة لنقل المعرفة فقط، بل مسؤولية للمساهمة في تكوين شخصية المتعلم وتنمية قدرته على التفكير الحر والنقدي. وقد دفعتني هذه القناعة إلى الانخراط في البحث عن مداخل تربوية جديدة تجعل التعلم أكثر تفاعلا وارتباطا بواقع المتعلمين، فاهتممت بالابتكار التربوي، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعليم، والمواطنة الرقمية، وهندسة التجربة التعليمية
وخارج القسم، سعيت إلى توسيع دائرة الاشتغال على قضايا التربية من خلال تأطير ورشات تكوينية لفائدة الأساتذة والتلاميذ، والمشاركة في ندوات ومؤتمرات علمية، والإسهام في لجان علمية وتربوية، إلى جانب حضوري الإعلامي عبر برامج بالإذاعة الوطنية تناولت قضايا مثل اضطرابات التعلم، والمهارات الناعمة، والمواطنة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والإبداع والابتكار في التعليم. كما كان لي شرف نيل تتويج دولي في مجال التعليم، وهو تقدير أعتبره حافزا للاستمرار في البحث والاجتهاد أكثر من كونه محطة وصول.
لكن بعيدا عن كل هذه المحطات، أرى نفسي باحثة عن المعنى قبل أي شيء آخر. ما يحركني هو الإيمان بأن التربية ليست مجرد إعداد المتعلم لاجتياز الامتحانات، بل إعداد الإنسان لفهم ذاته، والتفاعل الواعي مع مجتمعه، والإسهام في بناء مستقبل أكثر عدلًا وإنسانية.

وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يحققه المربي ليس أن يجعل تلامذته يكررون أفكاره، بل أن يمنحهم القدرة على التفكير بأفكارهم الخاصة. فالتعليم، في جوهره، ليس نقلا للمعرفة، بل بناء لإنسان قادر على أن يمنح المعرفة معنى

✓ عُرفتِ باهتمامك بتوظيف التكنولوجيا في مجالات التربية والتعليم. كيف بدأ هذا الاهتمام، وما أبرز المشاريع أو المبادرات التي اشتغلتِ عليها في هذا المجال؟

لم يكن اهتمامي بالتكنولوجيا نابعا من انبهار بالأدوات الرقمية في حد ذاتها، وإنما بدأ من داخل الفصل الدراسي. كنت ألاحظ أن المتعلمين يعيشون في عالم رقمي سريع الإيقاع، بينما ما نقدمه لهم داخل المدرسة لا يواكب دائما طرق تعلمهم وتفاعلهم مع المعرفة. ومن هنا بدأت أطرح على نفسي سؤالا ظل يرافقني إلى اليوم: كيف يمكن أن نجعل التكنولوجيا وسيلة لإحياء التعلم، لا مجرد إضافة تقنية إلى ممارسات تقليدية؟
هذا السؤال دفعني إلى البحث والتجريب المستمر. فبدأت بتوظيف تطبيقات تعليمية تفاعلية في تدريس الفلسفة، ليس بهدف إضفاء طابع حديث على الدرس، بل لإشراك المتعلم في بناء المعرفة، وتحويله من متلقٍ إلى فاعل ومنتج للأفكار. كما اشتغلت على تصميم أنشطة تعتمد الخرائط الذهنية، والألعاب التعليمية، والتعلم التشاركي، واستثمار أدوات الذكاء الاصطناعي في تنمية التفكير النقدي والإبداعي، مع الحرص على أن تبقى التكنولوجيا خادمة للهدف التربوي، لا أن تصبح هي الهدف.
ومع مرور الوقت، اتسع هذا الاهتمام ليشمل التأطير والتكوين، فساهمت في تنظيم ورشات لفائدة الأساتذة والتلاميذ حول الذكاء الاصطناعي في التعليم، والمواطنة الرقمية، والخرائط الذهنية، والتفكير الإبداعي، وهندسة الأنشطة التعليمية. كما شاركت في مؤتمرات وملتقيات علمية وطنية ودولية، إيمانا مني بأن تبادل الخبرات والتجارب هو أحد مفاتيح تطوير المدرسة المغربية.
ولم يقتصر هذا الاشتغال على الفضاء الأكاديمي، بل حاولت أن أساهم في نشر الوعي المجتمعي بقضايا التربية من خلال مشاركات إعلامية عبر الإذاعة الوطنية، ناقشت فيها موضوعات مثل الذكاء الاصطناعي، واضطرابات التعلم، والمهارات الناعمة، والمواطنة الرقمية، لأنني أؤمن بأن التربية مسؤولية مجتمعية تتجاوز أسوار المؤسسة التعليمية.
وقد شكلت هذه التجارب، إلى جانب ما حظيت به من تقدير في عدد من المبادرات والجوائز التربوية، دافعا لمواصلة البحث في كيفية بناء نموذج تعليمي يجمع بين الابتكار والبعد الإنساني.
وفي الحقيقة، كلما تعمقت في هذا المجال، ازددت اقتناعا بأن التحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ باقتناء أحدث التقنيات، بل يبدأ بتغيير طريقة تفكيرنا في التعلم نفسه. فالأداة قد تُسهّل الوصول إلى المعرفة، لكن الذي يمنحها قيمة هو المدرس القادر على توظيفها بحكمة، والمتعلم القادر على تحويلها إلى فرصة للتفكير والإبداع. لذلك أؤمن بأن مستقبل التعليم لن يُقاس بمدى ذكاء التقنيات التي نستخدمها، بل بمدى قدرتها على بناء إنسان أكثر وعيا، وأكثر استقلالية، وأكثر مسؤولية في استخدام المعرفة.

✓ يشهد العالم تحولات رقمية متسارعة. إلى أي حد ترين أن المنظومة التعليمية المغربية مؤهلة لاحتضان هذه التحولات وتعميمها داخل المؤسسات التعليمية؟

أعتقد أن الحديث عن جاهزية المنظومة التعليمية لا ينبغي أن يُختزل في توفر التجهيزات الرقمية أو تعميم الربط بالإنترنت، فهذه عناصر مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث تحول تربوي حقيقي. فالتحول الرقمي في التعليم هو، في جوهره، تحول في الثقافة التربوية، وفي طريقة تصورنا للتعلم، ولأدوار المدرسة، وللعلاقة بين المدرس والمتعلم.
لا يمكن إنكار أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة عددًا من المبادرات الهادفة إلى رقمنة التعليم، سواء من خلال تطوير المنصات الرقمية، أو إدماج الوسائل التكنولوجية في المؤسسات التعليمية، أو إطلاق برامج للتكوين. وهي خطوات تعكس وعيا متزايدا بأهمية التحول الرقمي، خاصة في ظل ما فرضته جائحة كوفيد-19 من إعادة التفكير في أنماط التعلم والتدريس.
لكن، من خلال تجربتي الميدانية كأستاذة وباحثة في علوم التربية، أرى أن التحدي اليوم لم يعد هو إدخال التكنولوجيا إلى المدرسة، لأنها أصبحت جزءا من واقع المتعلم، وإنما يتمثل في كيفية توظيفها داخل رؤية تربوية متكاملة. فلا تزال هناك حاجة إلى تطوير الكفايات الرقمية للأطر التربوية، وإعادة النظر في بعض المناهج وطرائق التقويم، وإنتاج موارد رقمية ذات جودة، والأهم من ذلك، ترسيخ ثقافة تربوية تجعل التكنولوجيا وسيلة لتنمية التفكير، لا مجرد أداة لعرض المحتوى.
كما أنني أؤمن بأن نجاح أي تحول رقمي لا يقاس بعدد الأجهزة الموجودة داخل المؤسسة، بل بما يحدث داخل القسم. هل أصبح المتعلم أكثر فضولا؟ هل صار أكثر قدرة على البحث والتحليل والمناقشة؟ هل تغيرت أدوار المدرس من ناقل للمعرفة إلى ميسر للتعلم وبانٍ لبيئات تعليمية محفزة؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن نقيس بها أثر التحول الرقمي.
ومن جهة أخرى، ينبغي أن ننتبه إلى أن المدرسة المغربية ليست فضاء متجانسا، فهناك تفاوتات بين الوسطين الحضري والقروي، وبين المؤسسات من حيث الإمكانات والولوج إلى الموارد الرقمية. لذلك فإن التحول الرقمي ينبغي أن يُبنى على مبدأ الإنصاف، حتى لا يتحول إلى عامل جديد لإنتاج الفوارق بدل تقليصها.

أنا متفائلة بمستقبل هذا التحول، لأن المغرب يمتلك كفاءات تربوية متميزة، وأساتذة أثبتوا في كثير من المحطات قدرتهم على الإبداع والتكيف مع المستجدات متى توفرت لهم الثقة والتكوين والدعم. وأعتقد أن الاستثمار الحقيقي لا ينبغي أن يكون في التكنولوجيا وحدها، بل في الإنسان الذي سيستخدمها.
وفي تقديري، لن تكون المدرسة الرقمية الناجحة هي تلك التي تمتلك أحدث الوسائل، بل تلك التي تنجح في توظيفها لبناء متعلم يفكر، ويتساءل، ويتعاون، ويبدع. فالتكنولوجيا قد تفتح أبواب المعرفة، لكن التربية هي التي تعلمنا كيف نعبر تلك الأبواب بوعي ومسؤولية.

✓ ما هي أبرز التحديات التي تواجه إدماج التكنولوجيا الرقمية في المدرسة المغربية: هل هي مرتبطة بالبنية التحتية، أم بالتكوين، أم بثقافة الفاعلين التربويين؟

في تقديري، سيكون من التبسيط أن نختزل التحديات في جانب واحد، لأن نجاح التحول الرقمي يقوم على منظومة متكاملة تتداخل فيها البنية التحتية، والتكوين، والقيادة التربوية، والثقافة المؤسسية. وإذا اختل أحد هذه المكونات، يصبح أثر التكنولوجيا محدودًا مهما كانت جودة التجهيزات.
لا شك أن البنية التحتية ما تزال تشكل تحديًا في عدد من المؤسسات التعليمية، خاصة فيما يتعلق بتوفير تجهيزات حديثة، وربط مستقر بالإنترنت، وصيانة الوسائل الرقمية. غير أن التجربة أثبتت أن توفر المعدات وحده لا يضمن نجاح التحول الرقمي. فقد نجد مؤسسات مجهزة، لكن الممارسات الصفية لم تتغير، لأن التكنولوجيا استُخدمت بالطريقة التقليدية نفسها، فأصبحت الشاشة مجرد سبورة جديدة.
من وجهة نظري، يظل التكوين المستمر أحد أهم المفاتيح. فالمدرس اليوم لا يحتاج فقط إلى تعلم كيفية استخدام تطبيق أو منصة رقمية، بل إلى تكوين يساعده على إعادة تصميم التعلم نفسه. نحن بحاجة إلى تنمية كفايات تربوية ورقمية في آن واحد، تمكن الأستاذ من اختيار الأداة المناسبة للهدف التعليمي، وتوظيفها بطريقة تعزز التفكير، والتفاعل، والتعلم الذاتي، لا أن تتحول إلى وسيلة للعرض فقط.
لكن هناك تحديًا آخر أراه أكثر عمقًا، وهو الثقافة التربوية. فالتحول الرقمي يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير قبل تغيير الأدوات. يحتاج إلى الإيمان بأن التعلم لم يعد قائمًا على امتلاك المعلومة، بل على القدرة على البحث عنها، وتحليلها، وتقييمها، وإنتاج معرفة جديدة انطلاقًا منها. وهذا التحول يقتضي أن ننتقل من ثقافة التلقين إلى ثقافة المبادرة، ومن التركيز على الإجابة الصحيحة إلى تشجيع السؤال الجيد.
ومن خلال مشاركتي في تأطير ورشات تكوينية لفائدة الأساتذة، كنت ألمس رغبة حقيقية لدى الكثير منهم في تطوير ممارساتهم، لكنهم في المقابل يحتاجون إلى مواكبة مستمرة، وإلى فضاءات لتبادل التجارب الناجحة، وإلى الاعتراف بأن الابتكار التربوي يحتاج إلى وقت وثقة ودعم مؤسساتي، وليس فقط إلى تعليمات أو دورات تكوينية متفرقة.
كما أرى أن التحول الرقمي ينبغي أن يرتبط بثقافة الاستخدام المسؤول والأخلاقي للتكنولوجيا، خاصة مع الانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي. فالمتعلم لا يحتاج فقط إلى تعلم كيفية استخدام الأدوات الرقمية، بل أيضًا إلى تنمية وعي نقدي يمكنه من التمييز بين المعرفة الموثوقة والمحتوى المضلل، ومن استخدام التكنولوجيا بما يخدم تعلمه ويحترم القيم الإنسانية.
لذلك أعتقد أن السؤال لم يعد: هل نريد التحول الرقمي؟ بل أصبح: أي تحول رقمي نريد؟ فإذا كان هدفنا مجرد رقمنة الوسائل، فسنحقق تحولًا تقنيًا محدودًا. أما إذا كان هدفنا بناء مدرسة تُنمي التفكير والإبداع والمسؤولية، فإن التكنولوجيا ستتحول من أداة إلى رافعة حقيقية للإصلاح. وفي النهاية، لا تُقاس قوة أي نظام تعليمي بما يملكه من أجهزة، بل بما يستطيع أن يبنيه من إنسان قادر على التعلم مدى الحياة، لأن التكنولوجيا تتغير باستمرار، أما الإنسان المتعلم فهو القادر دائمًا على مواكبة هذا التغيير وتوجيهه.

✓ في السنوات الأخيرة برز الذكاء الاصطناعي كفاعل جديد في مجالات التعليم والتكوين. كيف تقيمين هذه الثورة التقنية، وما الذي يمكن أن تضيفه للمتعلمين والمدرسين؟

أعتقد أننا لا نعيش مجرد تطور تقني عابر، بل نعيش تحولًا معرفيًا سيعيد تشكيل علاقتنا بالتعلم وبإنتاج المعرفة. فالذكاء الاصطناعي يشبه، من حيث أثره التاريخي، التحولات الكبرى التي أحدثتها الطباعة ثم الإنترنت، لكنه يمتاز بقدرته على التفاعل مع الإنسان وإنتاج المحتوى، وهو ما يفرض علينا إعادة التفكير في كثير من المسلمات التربوية.
ومن هذا المنطلق، لا أنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره منافسًا للمدرس أو بديلًا عنه، وإنما أراه فرصة لإعادة تعريف أدوار جميع الفاعلين داخل المنظومة التعليمية. فإذا أحسنّا توظيفه، يمكن أن يصبح شريكًا تربويًا يتيح تعلمًا أكثر مرونة، ويراعي الفروق الفردية بين المتعلمين، ويساعد المدرس على تصميم أنشطة متنوعة، وإعداد موارد تعليمية، وتحليل نتائج التقويم، بما يتيح له التفرغ أكثر لمهامه الأساسية في التوجيه والمواكبة والتأطير.
ومن خلال اشتغالي على هذا المجال، سواء في الورشات التكوينية التي أشرفت عليها أو في اللقاءات العلمية والإعلامية التي تناولت فيها موضوع الذكاء الاصطناعي في التعليم، كنت أحرص دائمًا على التأكيد أن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات لا تكمن في قدرتها على إنتاج النصوص أو الإجابات، وإنما في قدرتها على توسيع إمكانات التعلم إذا وُظفت ضمن رؤية تربوية واضحة. فالخطر لا يكمن في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في طريقة تعاملنا معه.
وأعتقد أن ظهور هذه الأدوات يدفعنا اليوم إلى مراجعة سؤال ظل حاضرًا في المدرسة لعقود: ماذا نُعلِّم؟ فحين يصبح الوصول إلى المعلومة أمرًا متاحًا بضغطة زر، لن تكون الأولوية لحفظ أكبر قدر من المعارف، وإنما لتنمية مهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، والإبداع، والتواصل، والقدرة على التحقق من المعلومات، واتخاذ مواقف أخلاقية مسؤولة. إنها مهارات لا يمكن للآلة أن تنوب فيها عن الإنسان.
ومن جهة أخرى، ينبغي أن ننتبه إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس محايدًا دائمًا؛ فهو يعكس جودة البيانات التي يتعلم منها، وقد ينتج أخطاء أو تحيزات أو معلومات غير دقيقة. لذلك فإن من أهم الأدوار الجديدة للمدرس أن يساعد المتعلم على التعامل الواعي مع هذه الأدوات، وأن يعلمه ألا يقبل أي مخرجات رقمية دون تحليل أو مساءلة أو تحقق. وفي هذا السياق، أرى أن الفلسفة والتربية على التفكير النقدي تكتسبان اليوم أهمية أكبر من أي وقت مضى.
في النهاية، أؤمن بأن كل ثورة تقنية تحمل في داخلها فرصة وتحديًا في آن واحد. وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على أن ينجز كثيرًا من المهام بسرعة وكفاءة، فإنه لا يستطيع أن يعوض ما يصنعه المعلم الحقيقي من إلهام، ولا أن يختزل التجربة الإنسانية التي تُبنى بالحوار، والثقة، والقيم، والعلاقات الإنسانية. لذلك فإن مستقبل التعليم، في نظري، لن يكون صراعًا بين الإنسان والآلة، بل سيكون اختبارًا لقدرتنا على أن نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر إنسانية، وأن نجعل الإنسان أكثر وعيًا في استخدامه.
✓ إلى أي حد أنتِ متفائلة بإمكانية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المدارس المغربية؟ وما الشروط الضرورية لتحقيق استفادة آمنة وفعالة منها؟

أنا متفائلة، لكن تفاؤلي ليس مبنيًا على الحماس للتكنولوجيا في حد ذاتها، بل على ثقتي في قدرة المدرسة المغربية على التطور عندما تتوفر لها الرؤية والإرادة والاستثمار في العنصر البشري. فالذكاء الاصطناعي يفتح أمامنا إمكانات كبيرة لتطوير التعلم، لكن نجاحه لن يتحقق بمجرد إدخال أدوات جديدة إلى المؤسسات التعليمية، وإنما بمدى قدرتنا على إدماجها ضمن مشروع تربوي واضح يخدم أهداف المدرسة المغربية.
لقد أظهرت التجارب الدولية أن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تحقق أثرًا مستدامًا إذا لم تواكبها سياسات للتكوين والمواكبة والتقييم. لذلك أرى أن أول شرط لنجاح توظيف الذكاء الاصطناعي هو الاستثمار في المدرس، لأنه سيظل الحلقة المحورية في أي إصلاح تربوي. فالمدرس يحتاج اليوم إلى تكوين لا يقتصر على تعلم استخدام التطبيقات، بل يساعده على فهم إمكانات الذكاء الاصطناعي وحدوده، وكيفية توظيفه في تصميم التعلمات، وتنمية التفكير النقدي، ومواكبة المتعلمين في استخدامه بشكل مسؤول.
الشرط الثاني يتمثل في بناء إطار أخلاقي واضح. فالذكاء الاصطناعي يطرح أسئلة جديدة تتعلق بحماية المعطيات الشخصية، والخصوصية، والنزاهة الأكاديمية، وحقوق الملكية الفكرية، وموثوقية المعلومات. ومن هنا، فإن إدماجه داخل المدرسة ينبغي أن يتزامن مع ترسيخ ثقافة أخلاقية ورقمية تجعل المتعلم واعيًا بحقوقه وواجباته، وقادرًا على الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.
أما الشرط الثالث، فهو تحقيق العدالة الرقمية. فمن غير المقبول أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عامل يعمق الفوارق بين المتعلمين بسبب تفاوت فرص الولوج إلى الوسائل الرقمية أو جودة الاتصال بالإنترنت. لذلك ينبغي أن يكون التحول الرقمي جزءًا من رؤية تقوم على تكافؤ الفرص، حتى يستفيد جميع المتعلمين، مهما اختلفت أوضاعهم الاجتماعية أو الجغرافية.
وأضيف إلى ذلك أهمية تشجيع البحث التربوي في هذا المجال. فنحن بحاجة إلى دراسات ميدانية تنطلق من خصوصية المدرسة المغربية، وتجيب عن أسئلة عملية: ما الأدوات الأكثر ملاءمة؟ كيف تؤثر في التعلمات؟ وما النماذج البيداغوجية القادرة على تحقيق أفضل النتائج؟ فلا يمكن أن نبني سياسات ناجحة اعتمادًا على الانبهار بالتجارب العالمية فقط، بل ينبغي أن ننتج معرفتنا التربوية انطلاقًا من واقعنا.
أنا مؤمنة بأن المغرب يمتلك من الكفاءات التربوية ما يؤهله ليكون فاعلًا في هذا التحول، لا مجرد مستهلك للتكنولوجيا. وقد لمست ذلك من خلال الورشات التي أشرفت عليها، واللقاءات العلمية التي شاركت فيها، حيث وجدت أساتذة وباحثين لديهم استعداد كبير للتعلم والتجريب والابتكار متى توفرت لهم الظروف المناسبة.
وفي تقديري، لن يكون نجاحنا في المستقبل مرتبطًا بامتلاك أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل بقدرتنا على تربية جيل يعرف كيف يستخدمها دون أن يفقد استقلالية تفكيره. فالمدرسة ليست مطالبة بأن تُخرّج متعلمين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في كل شيء، بل أن تُخرّج إنسانًا يمتلك من الوعي والحكمة ما يجعله قادرًا على توجيه هذه التكنولوجيا لخدمة الإنسان، لا أن يصبح تابعًا لها.

✓هناك من يرى أن الذكاء الاصطناعي قد يهدد دور المدرس التقليدي. هل تتفقين مع هذا الطرح، أم أن التكنولوجيا ستظل مجرد أداة داعمة للعمل التربوي؟

أعتقد أن هذا السؤال يُطرح اليوم في معظم الأنظمة التعليمية، لكنه في نظري ينطلق أحيانًا من تصور قديم لدور المدرس. فإذا كنا ننظر إلى المدرس باعتباره مصدرًا وحيدًا للمعرفة، فمن الطبيعي أن يبدو الذكاء الاصطناعي منافسًا له، لأن هذه الأدوات أصبحت قادرة على تقديم المعلومات وشرح المفاهيم والإجابة عن الأسئلة في ثوانٍ. أما إذا كنا نؤمن بأن المدرس هو مربي، وموجه، وصانع لبيئات التعلم، فإن الحديث عن استبداله يصبح بعيدًا عن جوهر العملية التربوية.
لقد كانت مهنة التدريس دائمًا في حالة تطور. فالكتاب لم يُلغ دور المدرس، والإنترنت لم يُلغ دوره، والمنصات الرقمية لم تفعل ذلك أيضًا. بل إن كل تحول تقني كان يدفعنا إلى إعادة تعريف وظيفة الأستاذ بما ينسجم مع حاجات المجتمع. واليوم أعتقد أننا أمام المرحلة نفسها، حيث لم يعد المطلوب من المدرس أن يكون خزانًا للمعلومات، بل أن يكون قائدًا للتعلم، يساعد المتعلم على فهم المعرفة، وتحليلها، وربطها بواقعه، وتحويلها إلى مواقف وسلوك.
ومن خلال تجربتي في تدريس الفلسفة، أزداد اقتناعًا بأن أجمل اللحظات داخل القسم ليست تلك التي أشرح فيها مفهومًا فلسفيًا، وإنما تلك التي أرى فيها المتعلم يكتشف فكرته بنفسه، أو يغير موقفه بعد حوار، أو يجرؤ على طرح سؤال لم يكن يملك الشجاعة لطرحه من قبل. هذه التحولات الإنسانية لا تستطيع أي خوارزمية أن تصنعها، لأنها تقوم على الثقة، والحوار، والإنصات، وبناء العلاقة التربوية.
أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيحرر المدرس من كثير من المهام الروتينية، مثل إعداد بعض الموارد أو تنظيم البيانات أو تقديم تغذية راجعة أولية، وهذا أمر إيجابي إذا استثمرناه بالشكل الصحيح. فكل دقيقة يوفرها الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تتحول إلى وقت إضافي للتفاعل مع المتعلمين، ومواكبتهم، وفهم احتياجاتهم، لأن هذه هي القيمة الحقيقية التي يضيفها المدرس.
لكن في المقابل، لا بد أن يعيد المدرسون تطوير كفاياتهم باستمرار. فالتكنولوجيا لا تهدد المدرس الذي يتعلم ويجدد أدواته، بل قد تشكل تحديًا لمن يعتقد أن الممارسة التربوية يمكن أن تبقى ثابتة في عالم يتغير كل يوم. لذلك فإن التعلم المستمر أصبح جزءًا من هوية الأستاذ المهنية، وليس مجرد خيار إضافي.
وفي النهاية، لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المدرس؟ بل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: أي مدرس نحتاجه في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وفي تقديري، نحتاج إلى مدرس يمتلك المعرفة، لكنه يمتلك قبلها الحكمة؛ يجيد استخدام التكنولوجيا، لكنه لا يفقد حسه الإنساني؛ ويؤمن بأن مهمته الأساسية ليست أن يجيب عن جميع الأسئلة، بل أن يساعد المتعلم على أن يصبح قادرًا على طرح الأسئلة التي تقوده إلى التعلم مدى الحياة. فالتكنولوجيا تستطيع أن تنقل المعرفة، أما المعلم الحقيقي فهو الذي يوقظ الرغبة في اكتشافها.
يتبع

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading