البلاغة والانتصار وتشييد الهوية في النثر العربي: مقاربة في بلاغة النوع”

20 مايو 2026

 

متابعة :

صدر حديثًا عن دار النابغة للنشر والتوزيع بمصر، في طبعته الأولى سنة 2026، كتابٌ نقديٌّ جديد للباحث ياسين الشعري بعنوان «البلاغة والانتصار وتشييد الهوية في النثر العربي: مقاربة في بلاغة النوع»، بتقديمٍ علميٍّ للدكتور محمد مشبال. ويأتي هذا الكتاب في سياق الجهود المعاصرة الرامية إلى تجديد الدرس البلاغي العربي، وإعادة توجيه أسئلته ومنهجه. فهو يندرج ضمن الأعمال البلاغية التي سعت إلى تجاوز التصورات البلاغية التقليدية، نحو بلاغة تحليلية تأويلية تنظر إلى الخطاب بوصفه ممارسة تواصلية تتشكل داخل مقامٍ محدد، وتنتظم ضمن نوعٍ ونمطٍ خطابيّين لهما أثر حاسم في بنائه ووظيفته، بما يقتضيه ذلك من تحرير للنصوص النثرية من القوالب النظرية الجاهزة، والانطلاق من خصوصياتها الصنفية، ومقاصدها التداولية، وشروط إنتاجها وتأثيرها. فالتحليل البلاغي، في هذا التصور، لا يفرض على النص شبكة مفاهيم مسبقة، بقدر ما يسعى إلى تكييف أدواته الإجرائية مع طبيعة النص ونوعه وسياقه.
وانطلاقًا من هذا التصور الموسّع، لا تُختزل البلاغة، في هذا الكتاب، في رصد الصور الأسلوبية أو تقنيات الإقناع، بل تُعالج بوصفها مقاربة تنظر إلى النص/الخطاب في كليته، من خلال الربط بين ما يُقال، ومن يقوله، ولمن يُقال، وفي أي ظرفية قيل، ولأي غاية. ويلفت الدكتور محمد مشبال، في تقديمه للكتاب، إلى وعي المؤلف بأن التحليل البلاغي لا ينصرف إلى الملفوظ فحسب، بل إلى التلفظ، أي إلى المقام التخاطبي الذي تشكل فيه الخطاب، مع ضرورة الانتباه إلى أثر النوع والنمط الخطابيين في تشكيل بنيته البلاغية والحجاجية.
ويشير الباحث إلى أن كتابه ينتظم في ثلاثة أقسام متكاملة؛ يضطلع القسم الأول بمهمة التأصيل النظري للمقاربة البلاغية المقترحة، من خلال إبراز خصائصها، وعرض جملة من المبادئ الضابطة للتحليل، مثل: مبدأ النوع، والمقصدية، والحوارية، والتفاعل بين التخييل والحجاج، وظرفية الخطاب. أما القسمان الثاني والثالث، فيتجهان وجهة تطبيقية، حيث يعالجان نماذج نثرية تنتمي إلى أنواع مختلفة، من أبرزها: المفاضلة، والسجال، والحكمة، والمقامة، سعيًا إلى إبراز كيف تشتغل البلاغة داخل هذه الأنواع بوصفها أداة للانتصار الخطابي أو لتشييد الهوية.
وفي هذا الإطار، توقف الباحث عند نصوص مركزية في التراث العربي، مثل مفاضلة التوحيدي بين العرب والعجم، بوصفها خطابًا حجاجيًا يراهن على البلاغة لتحقيق الغلبة والإقناع، وسجالات زكي مبارك التي تقوم على استراتيجية بلاغية حجاجية تهدف إلى تحقيق “الانتصار” عبر إضعاف الخصم وإلغاء مصداقيته، وبناء صورة إيجابية للذات. كما درس الحكم الصوفية لابن عطاء الله السكندري بوصفها خطابًا إقناعيًا يروم تشييد هوية صوفية مخصوصة، في حين تمثل المقامة الكوفية للحريري نموذجًا لبلاغة اختلاق الهوية والاحتيال على المخاطب عبر السرد واللغة والذكاء الحجاجي.
وتكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يقدم مقاربة بلاغية هجينة ومركبة، تنفتح على منجزات النقد الأدبي ونظريات تحليل الخطاب، دون أن تتخلى عن سؤال البلاغة المركزي: لماذا يكون هذا الخطاب فاعلًا ومؤثرًا؟ وبهذا يسهم العمل في نقل البحث البلاغي من الاهتمام بقوانين إنتاج الأثر في صورتها المجردة، إلى تأويل اشتغال الحجاج والأسلوب داخل الخطابات الفعلية، وفي سياقاتها النوعية والتواصلية.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading