
محمد كماشين :
شهدت الساحة الثقافية بالعرائش جلسة نقدية وفكرية عميقة، خصصت لمقاربة التجربة السينمائية المتميزة للمخرج المغربي محمد الشريف الطريبق؛ حيث حاوره فيها الباحث والناقد الدكتور عبد السلام دخان. وشكل اللقاء فرصة حقيقية للتفكيك، والنبش في فلسفة الإبداع وشروط الإنتاج داخل المشهد الفني المغربي.
افتتح الدكتور عبد السلام دخان الحوار بالإشارة إلى أهمية أي قراءة تفكيكية للمنجز السينمائي، مؤكدا على ضرورة المزاوجة بين البعدين المعرفي والعاطفي لفهم عمق المسارات الإبداعية.
وتوقف دخان عند بدايات الطريبق، مبرزا كيف شكّل “الفيلم القصير” مدخلاً أساسيا لعالمه السينمائي، وهو المدخل الذي حمل معه حزمة من الإشكالات المرتبطة بتجربة المشاهدة، وصناعة الفيلم، وإدارة الممثل…… وفي هذا السياق، خلص المحاور إلى أن السينما عند الطريبق لم يكن ممكنا تقديمها للمتلقي لو لم تكن في الأصل “رسالة حب”.
وفي تفاعله مع سؤال حول “البعد الوجداني ومستقبل النقد السينمائي”، أوضح المخرج محمد الشريف الطريبق أن البداية بالنسبة إليه كانت عبارة عن إحساس عاطفي وحلم خالص، يهدف إلى استرجاع أحاسيس دفينة، مؤكدا أنه استعمل هذا البعد العاطفي عن وعي سينمائي تام.
ولم يفت الطريبق، في هذا الإطار الوجداني، استحضار الأثر البالغ والمفصلي للأب الروحي للسينما المغربية، الراحل نور الدين الصايل، مشيرا إلى أنه رافق جيلا كاملا من المبدعين والنقاد من خلال مواقعه المتعددة، تاركا بصمة لا تمحى في الوجدان السينمائي الوطني.
وحول سؤال “المشاهدة الأولى”، شدد الطريبق على أن اللقاء الأول بين المتلقي والشريط السينمائي هو اللقاء المحدد والصادق، معتبرا أن “المشاهدة الأولى هي الأساس، ومن بعدها يضيع الفيلم” في متاهات التحليل المتكرر. ودعا إلى أهمية مشاهدة الفيلم بشكل “مباشر” وتلقائي وبدون حواجز قبيلة أو خلفيات جاهزة للاستمتاع بجمالية الصورة.
انتقل النقاش بعد ذلك إلى شق أكثر واقعية يهم “التجربة المغربية والتسويق السينمائي”؛ حيث أكد المخرج على ضرورة الاستثمار الحقيقي في القطاع، وخلق موازنة حكيمة بين السينما باعتبارها “صناعة” تدر دخلا وتخلق فرصا، والسينما باعتبارها “إبداعاً” يحمل هوية وفكرا. وطرح الطريبق الدور الحيوي والمنعدم تقريبا للمنتج الحقيقي، مبرزا أن عملية الترويج للمنتج السينمائي لا تقل أهمية عن عملية الإخراج نفسها.
وفي ختام الجلسة، وفي رده على سؤال يهم “البحث عن المشترك الإنساني الرفيع” وكيفية قراءته لواقع التجربة السينمائية المغربية الحالية، دق الطريبق ناقوس الخطر بخصوص أزمة قاعات العرض. فبالرغم من وتيرة الإنتاج المتصاعدة، يظل غياب أو قلة القاعات السينمائية معضلة حقيقية تقف أمام وصول الفن للجمهور، ليلخص المسألة في مقولة بليغة واضحة: “إن أي فيلم لم يشاهد.. فهو غير موجود”*.
أثمرت هذه الجلسة الفكرية، بنقاشاتها العميقة، في وضع اليد على الجرح السينمائي المغربي، مبرزة أن الشغف والعاطفة هما وقود الإبداع، لكن القاعات والتسويق الذكي هما شريان الحياة الذي يضمن بقاء هذا الإبداع وتأثيره في المجتمع.