
هشام الرزيقي :
“أبا ميمون… ذاكرة حيّ وروح كان يمشي بخطى هادئة كأن جبال الريف التي انحدر منها لا تزال تسكن روحه.
من أعالي الريف إلى أزقة القصر الكبير لم تكن رحلته مجرد انتقال في الجغرافيا، بل كانت عبورا عميقا في المعنى، معنى الصبر، والانتماء، والوفاء لأرض لم يخنها يوما.
عرفه الناس باسم “أبا ميمون” ولم يكن الاسم مجرد لقب عابر بل كان علامة محبة واعتراف ضمني برجل اختار البساطة نهجا فصار بها كبيرا في القلوب.
ميمون حقا وهو يحمل اليمن والبركات … لم يكن صوته مرتفعا لكنه كان مسموعا ولا كانت خطواته صاخبة، لكنها تركت أثرا لا يمحى.
في صفوف القوات المساعدة، أدى واجبه بصمت الرجال الذين لا ينتظرون تصفيقا بل يكتفون برضا الضمير. وحين طوى صفحة العمل الرسمي في سبعينيات القرن الماضي لم يطو روح العطاء بل فتح لها بابا آخر للرزق دافئا وقريبا من الناس. محل بقالته بحي الاندلس لم يكن مجرد مكان للبيع والشراء، بل كان فضاء إنسانيا نابضا بالحكايات وملتقى تنسج فيه خيوط الألفة وتحفظ فيه أسرار الود.
كان يجلس مع أصدقائه من أبناء جيله كأن الزمن يتباطأ احتراما لذكرياتهم يتقاسمون لحظات من ماض بسيط، لكنه عميق زمن كانت فيه الكلمة عهدا والوفاء سلوكا يوميا لا يحتاج إلى تذكير.
خمسة وثمانون عاما عاشها لم تكن مجرد سنوات تعد، بل كانت حياة تروى وحين رحل سنة 2008 لم يغب كما يغيب الآخرون ظل حاضرا في تفاصيل الحي في وجوه من عرفوه وفي صدى حكايات لا تزال تروى باسمه.
جدي “أبا ميمون”رحمه الله…لا تغيب”