
بوابة القصر الكبير : م. كماشين
اعتبر ذ . عمر البراق الفترة التاريخية الممتدة من الثلاثينيات إلى أواخر الأربعينيات في المغرب من أغنى الفترات بالتحولات السياسية والاجتماعية، فلم تكن الحركة الوطنية مجرد رد فعل عشوائي، بل كانت مسارا ناضجا انتقل من “المطالبة بالإصلاحات” في ظل الحماية، إلى “المطالبة بالاستقلال” والوحدة الترابية، وهو ما تجسد في:
1- الحركة الوطنية وإشكالات مشروع الإصلاحات في مواجهة المناورات الاستعمارية: فلقد واجهت الحركة الوطنية في بداياتها (كتلة العمل الوطني) تحديا مزدوجا: صياغة مشروع تحديثي للمغرب، ومجابهة التعنت الفرنسي والإسباني. ففي عام 1934، قدمت الحركة الوطنية “دفتر مطالب الشعب المغربي”. لم يكن المشروع يسعى لإنهاء الحماية فورا، بل طالب بالالتزام بـ “روح معاهدة فاس” من خلال إشراك المغاربة في الإدارة (الإدارة غير المباشرة)، إصلاح القضاء والتعليم والصحة، الحد من الاستيطان الزراعي والسيطرة الاقتصادية. ولقد جوبه ذلك بمناورات الاستعمار الفرنسي والإسباني بل تجاهل المطالب تماما، ونهجت سلطات الحماية سياسة القمع والنفي للقادة الوطنيين، ومحاولة زرع التفرقة (الظهير البربري). وفي المنطقة الخليفية (الإسبانية): حاولت إسبانيا استغلال الصراع مع فرنسا لاستمالة الوطنيين تارة، أو التضييق عليهم تارة أخرى لضمان فصل الشمال عن الجنوب. أمام هذا التعنت، أدركت الحركة الوطنية أن “الإصلاح في ظل الحماية وهم”، مما أدى إلى نضوج ميثاق وطني جديد توج بوثيقة 11 يناير 1944، التي غيرت لغة الخطاب من “الالتماس” إلى “الحق في السيادة”.
2- الرحلة الملكية إلى طنجة 1947.. الدلالات والارتباطات السياقية:
شكلت رحلة السلطان سيدي محمد بن يوسف (محمد الخامس) إلى طنجة الدولية في 9 أبريل 1947 “الضربة القاضية” للأطروحة الاستعمارية وربطا ذكيا بين المحلي والدولي. وعن دلالات هذه الزيارة أشار المتدخل إلى أنها ساهمت في: تأكيد الوحدة باعتبار أن طنجة (التي كانت تخضع لنظام دولي) عبر المرور بالمنطقة الخليفية (الإسبانية) انطلاقا من المنطقة السلطانية (الفرنسية) كانت رسالة ميدانية بأن المغرب وحدة لا تتجزأ رغم التقسيم الاستعماري. وتحدث المتدخل عن دلالات خطاب طنجة، فقد أكد الملك لأول مرة جهارا على هوية المغرب العربية الإسلامية وانتمائه للجامعة العربية، متجاهلا ذكر “فرنسا” كقوة حامية، مما أعلن نهاية “عهد التبعية”. لقد ارتبط الحدث / الخطاب محليا بمجزرة الدار البيضاء حيث جاءت الرحلة بعد يومين فقط من مجزرة “ضربة ساليغان” بالبيضاء (7 أبريل)، فكانت الرحلة رداً ملكيا حازما لمواساة الشعب وتحدي الغطرسة العسكرية الفرنسية. وإقليميا ودوليا تزامنت الرحلة مع صعود حركات التحرر في المشرق العربي وظهور هيئة الأمم المتحدة، حيث أراد الملك وضع القضية المغربية في سياقها
العالمي كقضية تحرر وطني، وليس مجرد نزاع إداري داخلي.
وخلص ذ. البراق إلى أن الانتقال من “ميثاق الإصلاح” إلى “ميثاق الاستقلال” لم يكن ليتم لولا التلاحم بين العرش والشعب، وهو التلاحم الذي رسمت رحلة طنجة معالمه الكبرى.
- ألقيت بمناسبة ندوة نظمها فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير