إني اخترتك يا وطني – الحلقة : 18 من سلسلة “القصر الكبير في مرآة الفيضان.

8 مارس 2026
Oplus_131072

– ذ : عبد المالك العسري .

..كانت المدينة تعود الى نفسها ببطء ،وعادت الأسر التي تم ترحيلها بسبب فيضانات القصر الكبير تباعا على متن الحافلات والقطارات، بعد أيام من القلق والترقب. كان المشهد مزيجا من التعب والامتنان؛ وجوه أنهكها الانتظار لكنها امتلأت بفرح العودة إلى البيوت والأحياء. بين حقائب بسيطة وذكريات تجربة مريرة ثقيلة، وكأنها عودة إلى الأمان، واستعادة لنبض المدينة بعد محنة الفيضان. عند مدخل محطة القطار بالقصر الكبير وبين العائدين الذين يحملون شيء من خوفهم الذي لم يهدأ بعد ،كما يحملون حقائبهم ،وقف حسن السباعي يستقبلهم ويغني “إني اخترتك يا وطني ”
حين وصلني الشريط وهو يغني بساحة محطة القطار ،فتح الشريط فيضانا آخر من الذكريات ، وعاد الزمن بي بعيدا ،بل ليس بعيدا مع حسن ، وكانه الامس ،لم ار فيه المناضل الذي يعرفه الكثيرون ،بل رأيت فيه أيضا صديق الطفولة الذي تقاسمنا معه سنوات البدايات قبل ان تتفرق بنا الطرقات ،الى احزاننا وآلامنا الاولى ،احلامنا التي رسمت لنا طريق المستقبل ،طموحاتنا القليلة والمتواضعة التي استطعنا تحقيق بعضها ،اشواقنا الجميلة التي ضاعت في سدة الحياة ،شقاوتنا وبراءتنا،ايامنا التي قضيناها بين مقاعد الدراسة ، والكتب والدفاتر،الصداقات المملوءة بالعطف والحب والحنان ،بدايات المراهقة وبداية الشباب ، حسن لم يعتقل بل سلم نفسه بعدما ضيق الامن الخناق على اسرته ، استطاع ان يفلت يوم هجم الجيش على الثانوية المحمدية ،واستطاع بمعية صديق تسلق السور الذي يفصل الثانوية بمساكن للموظفين بحي المحلة ليجد نفسه في حديقة مسكن وكيل الملك ،تعمد ابنة وكيل الملك التي كانت زميلتنا في الدراسة الى التستر وتامين خروجهما الآمن من بيت الوكيل .
لم يكن المشهد عاديا، فمن يعرف سيرة حسن السباعي يعرف ان هذه الكلمات خلاصة حياة وخلاصة سيرة مناضل ، الرجل الذي وقف يغني للوطن لحظة عودة الناس هو نفسه الذي اعتقل في انتفاضة القصر الكبير يناير 1984 ، منذ ذلك الحين لم تكن طريقه سهلة ،اعتقالات متفرقة ومحطات من المحن وازمنة قاسية اختبر فيها معنى الصمود ، ومع ذلك هاهو يقف بين الناس لا يحمل غلا ولا مرارة بل يحمل اغنية ، المشهد اشبه بدرس بليغ ،ان بعض الناس مهما قسى عليهم الوطن لا يتخلون عن اختيارهم الأول ،يختلفون مع الواقع ينتقدونه ويدفعون غاليا ثمن مواقفهم ،لكن في النهاية لا يختارون سوى الوطن ،.
ظل الوطن في وجدان حسن السباعي قيمة اعلى من جراحه،فالمفارقة أن حين قاوم الظلم لم يفعل ذلك بدافع كراهية الوطن، بل بدافع حب عميق له ورغبةٍ في أن يكون أكثر عدلا وكرامة لأبنائه. لذلك لم تتحول معاناته إلى نقمةٍ على الوطن، بل إلى وعيٍ نقدي يميز بين الوطن ككيان جامع، وبين الممارسات أو السياسات التي قد تنحرف عنه. في هذا المعنى يصبح النضال تعبيراً عن أسمى درجات الانتماء، حيث يتحمل المناضل الألم دفاعا عن صورة الوطن التي يؤمن بها، لا انتقاما منه..
كان حسن السباعي يغني،وكانت المدينة تصغي ،وحين انتشر الشريط في مواقع التواصل الاجتماعي صارالوطن بأكمله يصغي .
ولعل أجمل ما في المشهد أن رجلا مر من الاعتقال والمحن، لا يزال، بعد كل هذه السنوات، يقف وسط الناس ليقول ببساطة: “إني اخترتك يا وطني “

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading