حين يصبح المطر خوفًا… ونزوح القلب بين القصر الكبير ووزّان)

12 فبراير 2026
Oplus_131072

د. محمد البدوي

اخترتُ مكانَ النزوح، أو لعلّ المكانَ هو الذي اصطفاني على حين غفلة.
وزّان… مسقطُ الرأس، وملاذُ الروح الأولى، أرضُ الشرفاء، ومهد الأولياء. اخترتُها لأن أكون قريبًا من الوليّ الصالح، القطب الربّاني المولى عبد الله الشريف، مؤسّس المدينة، وحارس أسرارها، وباني مجدها الروحي على سفح الجبل.
اليوم فقط أدركتُ حكمة اختياره هذا الموضع العالي، بعدما كنتُ، في غابر الأيام، أستقبح هذا الصعود، وأتساءل مستنكرًا:
لماذا صعد الجبل وترك السهول المنبسطة، والأراضي المستوية الوادعة؟
كنتُ يومها مأخوذًا بسحر حوض اللكوس، مغرمًا بجغرافية القصر الكبير، أُعدِّد مزاياها واحدةً واحدة، تلك المدينة التي كتب الله لي أن أستقرّ فيها، وأن أسمّيها موطني، وأن أربط قلبي باسمها.
واليوم، في هذه الليلة الثقيلة، وبعد عشرة أيامٍ بلياليها، كانت من أشقّ ما مرّ بي في حياتي، خرجتُ من القصر الكبير مكرهًا، وأنا أُردّد في سرّي، كمن يودّع قطعةً من روحه:
لأنتِ أحبُّ المدن إلى قلبي، ولولا أنّهم أخرجوني منكِ ما خرجت.
اليوم، وعلى غير عادتي، أتسمّر قبالة نافذةٍ تطلّ على قلب وزّان، أحدّق في السماء، لا رجاءً في الغيث، بل خوفًا منه. فكلّ قطرة ماء، وكلّ زخّة مطر، تنغرس في قلبي أذًى، وتوقظ في نفسي رعشة نزوح، وتفتح جراح رعبٍ خلّفه فيضان السدّ، فأثقل القلب، وأتعب الروح.
لأوّل مرّةٍ في حياتي،
أرجو أن تُمسكَ السماءُ ماءَها،
وأتوسّل الغيوم أن ترحل،
والسَّحَر أن يغيب دون موعد.
لأوّل مرّةٍ أرجو البحر أن يخون عادته،
وأن يُقيم طويلًا في الجَزْر،
كأنّ السلام صار في الانحسار لا في الامتلاء.
لأوّل مرّةٍ في حياتي أكره المطر،
وأحسب أنّ مطر هذا العام يشبه مطر المُنذَرين، كما قال الحقّ سبحانه:
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ۖ فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾
[الشعراء: 173].
قصدتُ وزّان لأكون أقرب إلى موطني،
وأقرب إلى سدّ وادي المخازن،
فبين قلبي وبينه نصف ساعةٍ من الطريق،
ولعلّ القرب يُلين الصخر، ويجعل النداء مسموعًا.
أناديه نداء القريب،
أُسلّم عليه سلام الخائف الراجِي،
وأتوسّل إليه بأحبّ عباد الله الصالحين،
أن يكفّ عنّا غضبه،
وأن يُمسكَ شرَّه وبطره.
أيّها السدّ العظيم،
ترفّق بنا… فنحن الضعفاء،
ومولانا وحده هو العظيم.
أيّها السدّ الكريم،
اثبت ولا تُؤذِنا،
ففي الثبات حياة، وفي الانفلات هلاك.
وحين ضاق الصدر، تذكّرتُ قول الحبيب المصطفى ﷺ وهو يُخاطب جبل أُحُد، وكأنّه يُعلّم الجماد الرحمة والثبات:
«عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صعد أُحدًا، وأبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، فرجف بهم، فقال: اثبتْ أُحدُ؛ فإنّما عليك نبيٌّ، وصدّيقٌ، وشهيدان»
(رواه الإمام البخاري).

ليلة الأحد 19 شعبان 1447هجرية.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading