
– ذ . ادريس حيدر :
دأب الشعب المغربي بكل مكوناته و على إثر الأحداث الطبيعية و الكارثية التي تقع بين الفينية و الأخرى في احدى ربوع البلاد ، بروز سلوك جماعي لافت ، يتمثل في اندفاع واسع للتضامن قولا و فعلا ، حيث تتسارع المبادرات الفردية و الجماعية بغية دعم المتضررين و التخفيف من آثار المحنة و بتحول الفضاء الواقعي و الرقمي إلى مجال للتكامل و التآزر ، كما يتجلى في حجم التضامن مع ضحايا زلزال الحوز و فياضانات القصر الكبير .
و يمتد هذا السلوك التضامني ليجد صداه في دينامية المجتمع المدني ، حيث تنخرط جمعيات و هيآت و مبادرات محلية في تنظيم جهود الدعم و توجيهها ، مما يجعل من التضامن ممارسة اجتماعية ، و هو ما يفتح الباب لقراءة هذه الظاهرة من زاوية علم الاجتماع ، باعتبارها تعبيرا عن أنماط التماسك المجتمعي وآليات التفاعل الجماعي في مواجهة الأزمة .
يقول الدكتور ” مصطفى السعيلي ” أستاذ باحث في علم النفس الاجتماعي و رئيس شعبة علم النفس في كلية الآداب و العلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش ، بخصوص فياضانات القصر الكبير :
” إن الخصوصية المغربية التي يعتز بها المغاربة تُعدُّ جزء من مكونات تاريخهم و هويتهم ” ، مشيرا إلى أن :”هذا التضامن لا يقتصر دوره على تحقيق الاستقرار الاجتماعي ، بل تمثل ثقافة راسخة تقوم على المساعدة الجماعية و الشعور بالمسؤولية اتجاه الآخر ، و على الواجب الذي يحس به كل إنسان اتجاه أخيه المواطن ، مضيفا أنه و من منظور علم النفس الاجتماعي : فإن هذا التضامن ، إرث متوارث عبر الأجيال ، راسخ في العقل الجماعي ، كذلك لا يمارس باعتباره عبثا ، بل باعتباره سلوكا طبيعيا و أساسيا في الحياة “.
مضيفا :” أن المجتمع المغربي لا يمكن أن يكون في قطيعة مع هذا الماضي و هذا الموروث الثقافي القائم على مساعدة الآخرين “.
و بالتالي فإن هذا التضامن ينطلق من مرجعية أخلاقية لا تحددها المعايير الإثنية أو القبلية ، و هو ما يكرس الاعتزاز بالهوية المغربية .”
و في هذا السياق ، أؤكد أنني كنت شاهدا و فاعلا على التضامن القوي و التفاعل الذي لا حد له مع كارثة الفياضانات التي غمرت مدينة ” القصر الكبير “.
سواء بالالتفاف و تأسيس اطارات جمهورية لتفعيل و رسم خرائط الطريق لتنزيل التضامن تنزيلا سليما .أو بالانصهار الكامل بالعمل على خلق أجواء تضامنية في حق المنكوبين و صيانة كرامتهم .
كما أنني انبهرتُ لتقاطر المساعدات و الأعطيات من محسنين ينتسبون للمدينة أو لغيرها .
و هذا لعمري تكريس لأخلاقية التضامن في المجتمع ، نثمن عاليا المبادرين بها .