رسوم الدكتوراه للموظفين: قرار يضرب مبدأ تكافؤ الفرص ويعمق أزمة البحث العلمي في المغرب.

14 أغسطس 2026
Oplus_131072

ذ . محمد الشدادي :
……….
في الوقت الذي نجد فيه العديد من الدول تعمل على تشجيع موظفيها على متابعة دراستهم العليا عبر تخصيص منح ومساعدات وتوفير توقيت ميسر يجمع بين الوظيفة والدراسة، اختارت وزارة التعليم العالي في المغرب الاتجاه المعاكس بفرض رسوم سنوية على الموظفين الباحثين تصل إلى 20,000 درهم، مبررة ذلك بتمويل التوقيت الميسر. غير أن هذا التبرير يطرح إشكاليات عميقة على المستويين المالي والعلمي والاجتماعي. فعدد طلبة الدكتوراه المسجلين في المغرب يقارب 37,850 طالبا، لكن عدد الأطروحات التي تناقش سنويا لا يتجاوز 2000 أطروحة فقط، أي بنسبة لا تتعدى 6.2%، من مجموع الطلبة، وهو معدل ضعيف جدا مقارنة بالمعدل الدولي. ومن بين هذه الأطروحات، حوالي 700 في الطب، والباقي حوالي 1300 موزعة على باقي التخصصات. وإذا كان الموظفون يمثلون قرابة ثلث العدد، أي حوالي 433 موظفا، فإن مجموع المداخيل لن يتجاوز 8,660,000 درهم. وعند تقسيم هذا المبلغ على 162 كلية ومؤسسة التابعة للجامعات المغربية البالغ عددها 12 جامعة، لا تحصل كل كلية سوى على حوالي 5400 درهما، وهو مبلغ رمزي لا يمكن أن يحسن من ميزانية الجامعة أو يغير واقع البحث العلمي.
المغرب إذن يناقش سنويا حوالي 2000 أطروحة دكتوراه فقط، وهو رقم ضعيف جدا مقارنة بالمعدل الدولي الذي يتراوح بين 10,000 و20,000 أطروحة في دول مماثلة مثل تركيا أو مصر أو جنوب إفريقيا. وفرض رسوم جديدة سيؤدي إلى تقليص عدد المسجلين والمناقشات، وبالتالي سيزيد من تدني مرتبة المغرب عالميا في مجال البحث العلمي.
كما أن ربط الوزارة بين التمويل والتوقيت الميسر غير عادل، لأن التوقيت الميسر للموظفين الباحثين ليس امتيازا يشترى بالمال، بل هو حق أساسي تكفله المواثيق الدولية المتعلقة بالحق في التعليم والبحث العلمي.
ومتابعة الموظف لدراسته لا تعود بالنفع عليه فقط، بل على الدولة أيضا، إذ يطور كفاءاته ومهاراته ويحسن جودة الخدمات التي يقدمها في وظيفته.
إن فرض رسوم على الدكتوراه للموظفين تحت ذريعة تمويل التوقيت الميسر لن يحل مشكل تمويل الجامعات، بل سيؤدي إلى خفض عدد الدكاترة سنويا، مما سيزيد من تدني مرتبة المغرب على المستوى الدولي.
وحل مشكلة الجامعات يكمن في إصلاح شامل لتمويل البحث العلمي، وتوسيع قاعدة الدعم والمنح، وضمان التوقيت الميسر للموظفين الباحثين باعتباره حقا مشروعا، لا امتيازا مشروطا بالرسوم.
ختاما، يبقى السؤال مطروحا: هل ستتراجع الوزارة عن هذا القرار الذي يضرب في العمق أهم مبدأ من مبادئ حقوق الإنسان، وهو مبدأ تكافؤ الفرص؟ لأن فرض رسوم على الموظفين الباحثين لا يحقق العدالة ولا يساهم في تطوير البحث العلمي، بل يضع عراقيل جديدة أمام من يسعى إلى تحسين كفاءاته وخدمة وطنه بالعلم والمعرفة. والتراجع عن هذا القرار سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنه سيعيد الاعتبار للحق في التعليم والبحث، ويؤكد أن الدولة ترى في موظفيها طاقات يجب دعمها وتشجيعها، لا إثقالها بأعباء مالية إضافية.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading