
ذ . ادريس حيدر :
قال ذات يوم ، :” ملك فرنسا” ،” لويس الرابع عشر”:
” لو لم أكن ملكا لفرنسا ، لوددتُ أن أكون محاميا “.
طرائف من قاعات المحاكم :
يقينا أن كثرة الملفات و تراكمها في المحاكم ، و عدم كفاية الأطر ، و تدني مستوى التعليم بين صفوف المرتفقين للمحاكم بل و أميتهم و كذلك فقرهم ، يجعل العمل جد صعب ، و يخلق ضغطا رهيبا ، مما ينتج عنه حكايات و مواقف طريفة .
و في هذا الصدد لا زلتُ أتذكر ، أنه و في إحدى جلسات التلبس ، نادى القاضي على اسم أحد المتهمين ، فخرج من المكان المعد و المخصص للمتهمين ، و دخل القاعة التي ستجري فيها أطوار محاكمته ، كانت هذه الأخيرة غاصة بالحاضرين ، فشعر و كأنه في ساحة للمصارعة ، اندهش كثيرا و ارتبك ، فقام و بعفوية كبيرة بالسلام على الجالسين في كراسي الصف الأول واحدا واحدا ، و كأنه دُعي لعرس أو لأحد الأفراح ، و بالتالي و كأنه كان يهنئ أفراد أسرة العريسين ، أو كأنه في مأتم ، يعزي فيه أقارب الفقيد ، خاصة أنه كان يهمهم بكلام غير مفهوم .
كان يسلم على الحاضرين بخجل و ارتباك لا تخطئهما العين ، فضجت القاعة بالضحك و التصفيق ، حينها نبهه القاضي باحترام الهيئة القضائية و الانضباط أمامها .
و كان رد المتهم على القاضي :
” أنا لازلتُ لم أكمل السلام على الحاضرين في القاعة “.
فتعالت القهقهات في أركان ذلك الفضاء .
و في واقعة أخرى ، كان القاضي يوجه كلامه للمشتكي و سأله :
” أيمكن لك أن تقص علينا ، كيف اعتدى عليك المتهم ؟” .
صمت قليلا و رد بهدوء قائلا :
” قبل أن يعتدي علي بالضرب بواسطة سكين كبير ، قام بشتمي و سبي ”
حملق في القاضي و أضاف :
” كانت ألفاظه ساقطة و نابية ”
قاطعه القاضي ، مثيرا انتباهه إلى أنه يمثل أمام المحكمة و من المفروض سرد الوقائع بأمانة ، لتشكل هذه الأخيرة قناعتها ، و بالتالي طلبت منه ترديد تلك الكلمات دون زيادة أو نقصان و لا حرج في ذلك ، مهما كانت مبتذلة .
صمت المشتكي من جديد ، و تأمل القاضي ثانية باندهاش كبير ، و كانت نظراته عبارة عن استجداء للقاضي ، بعدم إرغامه على إعادة تلك العبارات المسيئة أمامه و أمام الحضور .
نهره القاضي قائلا :
” أو تعتقد ، يا أيها الفتى ، أننا سنظل نلعب معك و نضيع الوقت ، هذا أمر المحكمة ، و يجب تنفيذه و الامتثال له “.
استجمع المشتكي قواه ، و تنفس عميقا ، ثم صاح في وجه القاضي :
” لقد خاطبني المتهم بصوت عال و أمام الملأ:
” غَدِي نَحْ…، دين دياماك “.
ضجت القاعة ضحكا من طرف الحاضرين ، بما فيها من محامين و أعوان و موظفين .
ابتسم القاضي ابتسامة صفراء ، ثم كشر عن أسنانه و أنيابه ، و تغير لون وجهه ، و طلب من رجال الشرطة الموجودين في القاعة ، إيقافه و الاحتفاظ به لاتخاذ القرار المناسب في حقه ، إلا أنه أخلى سبيله فيما بعد ، إدراكا منه أن المشتكي كان حسن النية .
و في حكاية أخرى ، أن أخد المحامين كان يرافع مؤازرا موكله ، و عند نهاية مرافعته ، التمس من المحكمة براءته من المنسوب له ، فقاطعه هذا الأخير ، موجها له العبارة التالية :
” لماذا تردد ” بركا”أكثر من مرة أي البراءة ، أنا لا أفهم ماذا تقصد بهذا الكلام ، و لذلك أشعرك أمام القاضي أنك ام تعد محاميا لي ، سأستبدلك ، و أوكل محاميا آخر ”
هذه بعض من الطرائف التي يعيشها المحامي داخل قاعات و ردهات المحاكم ، و تقع كثير منها في كل وقت و حين للأسباب المشار إليها أعلاه .
يتبع …