عبدالقادر… رحلة إحياء ثانوية من الانكسار إلى النجاح

منذ ساعة واحدة

ذ .محمد الشدادي

(منارة أمل في قلب التحول):

إن الغاية من تسطير هذه القصة، التي اتخذت فيها من شخصية عبدالقادر رمزا للإدارة المواطنة، ليست مجرد سرد أدبي، بل لتكون منارة ضوء يهتدي بها كل إداري غيور في مؤسساتنا التعليمية. وما يمنح هذه الحكاية قوتها ومصداقيتها، أنها مقتبسة في أجزاء جوهرية منها من حقيقة حية تعيشها اليوم إحدى المؤسسات بمدينتنا. تلك المؤسسة التي كانت بالأمس القريب تعاني في صمت، وهي الآن تخوض غمار معركة التغيير، وتسير بثبات في طريق التحول وبناء سمعتها من جديد، لتثبت للجميع أن الفجر يبزغ دائما من عتمة الإهمال.

إن هذه القصة هي رسالة لكل من يرى في واقع مدارسنا سوادا، لتؤكد أن الإصلاح ممكن وواقعي إن صدقت النوايا. إن مؤسساتنا التي أصيبت بما يشبه (السكتات القلبية) وتجاوزت مراحل (خرف الإنعاش)، ليست في حاجة إلى معجزات، بل هي في حاجة إلى “عبدالقادر” وأمثاله من الذين يبذلون الجهد بصدق لإخراجها من غرفة العناية المركزة إلى فضاء العطاء.

البلد اليوم يحتاج من الجميع نهضة شاملة، لنتحول من دور المتفرج إلى دور الشريك الحقيقي في الإصلاح، تماما كما فعل أولئك الغيورون الذين استعادوا ثقة الأسر وأعادوا للمدرسة العمومية هيبتها لتصبح بوابة حقيقية نحو أرقى المعاهد العليا. فلتكن هذه التجربة، المستمدة في جزء كبير منها من روح واقعنا المحلي، حافزا لكل إداري ليبدأ رحلة التغيير، لأن كل خطوة صغيرة هي إحياء لروح تربوية كانت مشوهة وينخرها الانحراف.

 

( البداية الصعبة):

حين وطأت قدما عبدالقادر المؤسسة، كان يحمل حلما بالاستقرار في مدينة صغيرة هادئة في شمال المغرب، لكنه فوجئ بواقعٍ قاتم: تلاميذ يتأخرون عن الحصص، إداريون غارقون في اللامبالاة، ملاعب مهجورة، مرافق صحية متدهورة، وضجيج يملأ الأقسام.. سمعة المؤسسة كانت سيئة إلى درجة أن الآباء بدأوا ينقلون أبناءهم إلى مؤسسات أخرى أكثر جدية، والأساتذة المجدون بدورهم فضلوا الانتقال إلى مدارس أكثر انضباطا. بدا المكان لعبدالقادر الوافد الجديد على المدينة أشبه بجسد بلا روح، وأدرك عبدالقادر أن مهمته لن تكون مجرد إدارة، بل إعادة بناء الثقة والهوية من جديد.

 

(تجديد مكتب جمعية الآباء):

في أول اجتماع مع الآباء، وقف عبدالقادر أمامهم قائلا: “أبناؤكم أمانة، ولن ننجح إلا إذا كنتم معنا.”

رد أحد الآباء بحدة: “لقد فقدنا الثقة في المدرسة منذ زمن، الجمعية لم تكن سوى وسيلة للربح والابتزاز ، وأكل أموالنا بالباطل.”

اقترب عبدالقادر منه وقال بثقة: “من اليوم، ستعود الجمعية إلى دورها الحقيقي، جسرا بين المدرسة والأسر.”

وبالفعل، أعاد تشكيل المكتب، وأبعد عنه من استغلوه لمصالح شخصية، وأسندت المسؤولية إلى آباء غيورين على التعليم. سرعان ما بدأت الجمعية تساهم في تجهيز القاعات ودعم الأنشطة، وأصبحت قوة داعمة حقيقية للمؤسسة.

 

(إعادة الروح للجمعية الرياضية):

التفت عبدالقادر إلى الجمعية الرياضية التي كانت مجرد اسم على ورق. جمع الأساتذة وقال لهم: “الرياضة ليست ترفا، إنها وسيلة لتربية التلاميذ على التعاون والانضباط، وحمايتهم من كل ما يضر صحتهم.”

رد أحد أستاذة التربية البدنية بحماس: “إذا وفرت لنا الدعم، سنعيد الملاعب إلى الحياة.”

ابتسم عبدالقادر: “الدعم موجود، فلنبدأ.”

وبالفعل، تم إصلاح الملاعب وشراء تجهيزات جديدة. نظمت بطولات بين الأقسام، ومباريات ودية بين التلاميذ والأساتذة. كان الضحك والمرح يملأ الساحة، وأصبح التلاميذ يشعرون بروح الفريق والانتماء.

 

(دور النوادي في التحول):

أدرك عبدالقادر أن المدرسة لا تبنى بالدرس وحده، بل بالأنشطة التي تصقل شخصية التلميذ، لذلك أسس مجموعة من النوادي والتي كانت في السابق شكلية في الأوراق لا تكاد ترى لها أثرا:

• نادي القرآن والسيرة النبوية: غرس القيم الدينية والأخلاقية.

• نادي القيم والسلوك المدني: علّم التلاميذ معنى المواطنة واحترام القانون.

• نادي الثقافة والفن: فتح الباب أمام المواهب الإبداعية في الرسم والمسرح والموسيقى.

• نادي الذكاء الاصطناعي: منح التلاميذ فرصة لاكتشاف التكنولوجيا الحديثة.

• نادي التواصل والإعلام: وثّق أنشطة المؤسسة، وعلّم التلاميذ مهارات الكتابة والتصوير والتعبير.

 

(مواجهة المحيط الخارجي)

كان محيط المؤسسة مليئا بالمتسكعين الذين يحملون كلابا شرسة، يثيرون الرعب في نفوس التلاميذ. بعض القاصرات أُكرهْن على مرافقتهم تحت التهديد، مع تحذير قاس: “لا تخبرن أحدا وإلا ستندمن.”

كما كانوا يغرون التلاميذ بتجربة المخدرات والسموم، يوزعونها في الخفاء ويقولون لهم: “ستشعرون بالقوة، وستنسون همومكم.”

استدعى عبدالقادر الشرطة المدرسية، ونظم لقاءات توعوية داخل المؤسسة، وقف رجل أمن أمام التلاميذ قائلا: “أنتم لستم وحدكم، نحن هنا لحمايتكم.”

رفع أحد التلاميذ يده وقال بصوت مرتجف: “لكننا نخاف أن ينتقموا منا.”

أجابه عبدالقادر بحزم: “لن نسمح لأحد أن يهددكم بعد اليوم، هذه المدرسة بيتكم، وسنحميها معا.”

ومع مرور الوقت، بدأت الحملات الأمنية تنظف محيط المؤسسة، وبدأ التلاميذ يدخلون ويخرجون بأمان.

 

(مقاومة الإصلاح وانخراط الجميع)

واجه عبدالقادر مقاومة من بعض الأساتذة الذين كانوا يفضلون الراحة على المسؤولية، كانوا يتهامسون: “لن ينجح، وسيفشل كما فشل غيره.”

لكن عبدالقادر لم يدخل في صدام، بل أشركهم في الأنشطة، دعاهم إلى مباريات وخرجات، وأعطاهم مسؤوليات صغيرة. ومع مرور الوقت، شعروا أنهم جزء من المشروع، فتحولوا من معارضين إلى داعمين. قال أحدهم في اجتماع لاحق: “كنا مخطئين، الإصلاح يحتاجنا جميعا.”

ابتسم عبدالقادر وقال: “لم أخسر أحدا، بل كسبتكم جميعا.”

 

(تحول سمعة المؤسسة)

في أحد الأيام، دخل أب إلى مكتب عبدالقادر ومعه ابنته، وقال بصوت متردد: “سيدي المدير لقد نقلت ابنتي قبل عام، كنت أخشى أن يضيع مستقبلها هنا.”

نظر عبدالقادر إليه بابتسامة هادئة: “وأنت اليوم تعود بها، أليس كذلك؟”

أجاب الأب وهو يضع يده على كتف ابنته: “نعم، سمعت بما حدث هنا، الأنشطة، النوادي،المحيط الآمن، الانضباط، الإحساس بالمسؤولية، النتائج. ابنتي نفسها طلبت أن تعود، قالت إنها تريد أن تكون جزءا من هذا التغيير.”

اقترب عبدالقادر من الفتاة وقال لها: “أهلا بك من جديد، هذه المدرسة بيتك، وستجدين فيها ما تستحقين من فرص.”

ابتسمت الفتاة بخجل، وقالت: “أشعر أنني عدت إلى مكان مختلف تماما.”

 

(عودة أستاذ مجد)

بعد أشهر من الإصلاح، طرق باب مكتب عبدالقادر أستاذ من خيرة الأساتذة، كان قد غادر المؤسسة سابقا، دخل وهو يقول: “سيدي المدير، حين رحلت، كنت أظن أن هذه المدرسة انتهت. لكنني أسمع اليوم أنها تغيرت.”

ابتسم عبدالقادر قائلا: “لقد تغيرت بالفعل، بفضل جهود الجميع. هل تفكر في العودة؟”

أجاب الأستاذ بحزم: “نعم، أريد أن أكون جزءا من هذا التحول، أريد أن أدرس هنا من جديد.”

مد عبدالقادر يده إليه وقال: “مرحبًا بك، الإصلاح لا يكتمل إلا بعودة المجدين.”

 

(مشهد مع تلميذ كان على وشك المغادرة)

في إحدى الأمسيات، جلس عبدالقادر في ساحة المدرسة، فاقترب منه تلميذ كان معروفا برغبته في ترك المؤسسة، قال بصوت خافت: “سيدي المدير، كنت أنوي أن أطلب من أبي أن ينقلني إلى مدرسة أخرى، كنت أشعر أن هذه المؤسسة لا مستقبل لها.”

نظر إليه عبدالقادر بهدوء وقال: “وما الذي غيّر رأيك؟”

أجاب التلميذ بابتسامة صغيرة: “جدية الأساتذة، إدارة مسؤولة، نوادي نشيطة، بيئة جديدة، أشعر أنني أنتمي إلى هنا، أريد أن أبقى.”

ربت عبدالقادر على كتفه قائلا: “هذا هو النجاح الحقيقي، أن تشعروا أن هذه المدرسة بيتكم.”

كان ذلك المشهد دليلا على أن التغيير لم يكن في السمعة فقط، بل في النفوس أيضا.

 

(ثمار الإصلاح):

امتد أثر الإصلاح إلى المجتمع والأسر. صارت المدرسة مصدر فخر للمدينة، وأصبح التلاميذ سفراء للتغيير. وبلغت الثمار ذروتها في نتائج الباكالوريا، حيث حققت المؤسسة أعلى نسبة نجاح، والتحق أبناؤها بأرقى الجامعات والمعاهد العليا كالطب والهندسة وغيرهما..

والأهم أن سمعة المؤسسة تغيرت جذريا: بعدما كانت مكانا ينفر منه الآباء والتلاميذ والأساتذة المجدون، أصبحت فضاء جاذبا يقصده الجميع بثقة وفخر.

وقف عبدالقادر يوم إعلان النتائج، ينظر إلى التلاميذ المبتسمين، وقال في نفسه: “اليوم أثمرت الجهود، هذه ليست مجرد مدرسة، إنها حياة جديدة.”

 

(يوم الحصاد والمفاجأة الكبرى)

توجت المؤسسة مسار إصلاحها بتنظيم حفل بهيج لتوزيع الجوائز على المتفوقين، وهو الحدث الذي لم يكن مجرد بروتوكول إداري، بل كان احتفاء بعودة الروح للمدرسة العمومية. امتلأت القاعة الكبرى التي كانت يوما حجرات مهجورة، ورممها عبدالقادر بالأسر والأساتذة والتلاميذ في أجواء مفعمة بالفخر والاعتزاز.

وفي لحظة مؤثرة، اعتلى أحد التلاميذ المنصة ليلقي كلمة باسم زملائه الحاصلين على شهادة الباكالوريا. وبصوت يملؤه الامتنان، شكر الإدارة والأساتذة على تضحياتهم، مؤكدا أنهم وجدوا في المؤسسة بيتا ثانيا بعد أن كانت بيئة طاردة في السابق. ثم دعا زميله الحاصل على أعلى معدل في المؤسسة للقيام بمبادرة رمزية، حيث فاجأ الجميع بتقديم هدية باسم كافة التلاميذ للمدير عبدالقادر، وكانت عبارة عن لوحة تشكيلية (بورتريه) مرسومة له، تعبيرا عن حبهم وتقديرهم للرجل الذي آمن بمستقبلهم حين فقد الآخرون الأمل.

بينما كان الحفل في ذروته، حدثت المفاجأة التي لم تكن ضمن البرنامج، حيث دخل القاعة المدير الإقليمي رفقة وفد رفيع المستوى من المديرية، ساد الصمت والدهشة، قبل أن يتقدم المدير الإقليمي ليلقي كلمة كشف فيها أن حضوره لم يكن مبرمجا، لكنه أبى إلا أن يأتي شخصيا ليحفز هذا الإداري الاستثنائي. وأشار في كلمته المؤثرة إلى أن هذه المؤسسة كانت في الماضي القريب في أعلى سلم الإساءة وسمعتها مشوهة، لكن عبدالقادر استطاع في وقت قياسي أن يعيد لها روحها التربوية وهويتها المفقودة.

وفي مشهد مهيب، سلم المدير الإقليمي لعبدالقادر شهادة تقديرية وهدية رمزية، معتبرا إياه نموذجا للإداري الغيور الذي يحتاجه الوطن لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية.

انتهى الحفل والدموع في أعين الكثيرين، لا حزنا على الفراق، بل فرحا برؤية المؤسسة وهي تتحول من جسد بلا روح إلى منارة إشعاع يفتخر بها الجميع. بهذا المشهد، اكتملت ملحمة الإصلاح، وأثبت عبدالقادر أن الإرادة الصادقة والعمل الميداني قادران على صنع المعجزات، حتى في أكثر الظروف صعوبة.

قصة عبدالقادر ليست مجرد حكاية مدير، بل شهادة على أن الإرادة قادرة على إحياء مؤسسة فقدت روحها، لقد أعاد الثقة بين المدرسة وأسرها، وحولها إلى منارة إشعاع.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading