
بقلم الكاتب العام عزوزي محمد
يشهد العالم اليوم تحولات متسارعة في مجال التكنولوجيا الرقمية، حيث أصبحت هذه الوسائل جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، تُمكّن المواطن من الولوج إلى مختلف الخدمات الإدارية والصحية والاجتماعية بسهولة ويسر.
غير أن هذه الطفرة الرقمية لم يواكبها بنفس الوتيرة انخراط فئة المتقاعدين، التي ما زال جزء مهم منها بعيداً نسبياً عن الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانيات، رغم ما توفره من تسهيلات حقيقية في الحياة اليومية.
فمرحلة التقاعد، التي يُفترض أن تكون مرحلة استقرار وراحة، قد تتحول في بعض الأحيان إلى مرحلة تتسم بصعوبات في التكيف مع المستجدات، خاصة في ظل التحول الرقمي الذي تعرفه مختلف الإدارات والمؤسسات. ومن هنا، تبرز أهمية إدماج المتقاعدين في هذا الورش الرقمي، ليس فقط كخيار، بل كضرورة تفرضها طبيعة العصر.
ورغم أن عدداً كبيراً من المتقاعدين أصبح يمتلك هواتف محمولة، بل ويستعملها بشكل يومي، فإن هذا الاستعمال يظل في الغالب محدوداً في الولوج إلى مواقع التواصل الاجتماعي بشتى أنواعها أو لأغراض الترفيه فقط، دون استثمار حقيقي في الخدمات الرقمية التي يمكن أن تسهل عليهم قضاء أغراضهم الإدارية والصحية. وهذا يعكس وجود فجوة واضحة بين امتلاك الوسيلة الرقمية وبين القدرة والخوف على توظيفها بشكل فعال ومفيد.
ولا يقف الأمر عند حدود التكوين أو غياب المواكبة، بل يتجاوز ذلك إلى عامل نفسي مهم يتمثل في ضعف الرغبة في التعلم لدى بعض المتقاعدين، حيث ترسخت لدى فئة منهم نظرة ذهنية سلبية مفادها أن تعلم التكنولوجيا يقتصر على فئة الشباب، وأن سن التقاعد هو نهاية مرحلة التعلم والاكتساب. فيُردد البعض عبارات من قبيل: “لقد كبرنا على هذا الأمر” أو “هذه الأمور للشباب فقط”، وهو تصور غير دقيق، يحرم المتقاعد من فرص جديدة للتطور والتكيف مع محيطه.
إن هذا الحاجز الذهني يشكل عائقاً حقيقياً أمام الانخراط في العالم الرقمي، إلى جانب عوامل أخرى كضعف التكوين، والخوف من الوقوع في الخطأ، أو التعرض للاحتيال الإلكتروني، إضافة إلى قوة العادات التقليدية التي تجعل التعامل المباشر أكثر راحة واطمئناناً.
وفي مقابل ذلك، فإن عدم استثمار هذه الوسائل الرقمية يحرم المتقاعد من امتيازات مهمة، من قبيل تفادي التنقل والازدحام، وربح الوقت والجهد، خاصة بالنسبة لمن يعانون من ظروف صحية، إلى جانب الولوج السريع إلى المعلومات والخدمات، سواء تعلق الأمر بتتبع الوضعية الإدارية أو الاستفادة من الخدمات الصحية أو أداء الفواتير عن بعد وهي الأهم في حياة المتقاعد. كما تتيح التكنولوجيا فرصاً أكبر للتواصل مع الأبناء والأصدقاء، مما يساهم في التخفيف من العزلة وتعزيز الروابط الاجتماعية.
ومن هنا، يصبح من الضروري اعتماد مقاربة تشاركية من أجل إدماج المتقاعدين في هذا التحول الرقمي، تقوم أساساً على التكوين والتدرج والمواكبة، مع العمل في نفس الوقت على تصحيح هذه النظرة الذهنية، وترسيخ فكرة أن التعلم لا يرتبط بسن معين، بل هو مسار مستمر مدى الحياة. فتنظيم دورات تكوينية مبسطة داخل الجمعيات أو في مراكز التكوين ، واعتماد أسلوب عملي ينطلق من استعمال الهاتف الذكي والتطبيقات الأساسية، من شأنه أن يعزز ثقة المتقاعد في قدراته، ويشجعه على خوض تجربة التعلم دون تردد.
كما أن إشراك الشباب في عملية التأطير يشكل جسراً للتواصل بين الأجيال، ويساهم في كسر هذا الحاجز النفسي، حيث يكتشف المتقاعد أن التعلم ممكن، وأنه قادر على مواكبة هذه التحولات متى توفرت له الظروف المناسبة.
وتبرز كذلك أهمية توفير فضاءات رقمية داخل مقرات الجمعيات، تُمكّن المتقاعدين من التعلم والتطبيق في آن واحد، مع ضرورة العمل على تبسيط الخدمات الرقمية من طرف المؤسسات، حتى تكون في متناول الجميع. ولا يقل جانب التوعية أهمية، خاصة فيما يتعلق بكيفية الاستعمال الآمن للتكنولوجيا وتفادي مخاطر الاحتيال الإلكتروني، مما يعزز عنصر الثقة لدى هذه الفئة.
وفي هذا الإطار، يمكن ج.أ.ج.للمسنين والمتقاعدين بالقصر الكبير أن تلعب دوراً ريادياً في هذا المجال،مع وجود الرغبة… من خلال تنظيم ورشات تطبيقية حول استعمال الهاتف الذكي، ومواكبة المتقاعدين في أداء الفواتير إلكترونياً، ومساعدتهم على الولوج إلى المواقع الإدارية، فضلاً عن إحداث فضاء داخل الجمعية يمكن أن يُخصص كمرفق رقمي يقدم الإرشاد والمساعدة بشكل مستمر وهذا هو ما نستطيع توفيره على قدر المستطاع.
وخلاصة القول، فإن محدودية إقبال بعض المتقاعدين على التكنولوجيا الرقمية لا تعكس رفضاً لها، بقدر ما تعكس مجموعة من الإكراهات النفسية والتكوينية والاجتماعية، وعلى رأسها الحاجز الذهني المرتبط بسن التعلم. ومع تظافر الجهود، وتصحيح هذه التصورات، وتوفير التأطير المناسب، يمكن تحويل هذا العزوف إلى انخراط فعلي، يساهم في تحسين جودة حياة المتقاعد، ويعزز استقلاليته وكرامته، ويجعله مواكباً لمتطلبات العصر بدل أن يبقى على هامشه.