
بوابة القصر الكبير : م. كماشين
يمكن اعتبار مداخلة الأستاذ محمد اخريف ورقة بحثية غنية تجمع بين العمق الفلسفي للتاريخ والدقة التوثيقية لأحداث مدينة القصر الكبير، حيث لا يرى التاريخ مجرد سرد جاف، بل نسيجا متشابكا من الروافد.
فهو ينطلق من رؤية شمولية للتاريخ، معتبرا أنه لا يستقيم دون استحضار روافده المتعددة: الاجتماع، الفكر، الأدب، والأسطورة…. هذا التمازج هو ما يعطي للحدث التاريخي روحه، فالأسطورة تعكس الوجدان الشعبي، والأدب يؤرخ للمشاعر، والاجتماع يفسر حركة الجماهير.
إن الغاية الأسمى من دراسة التاريخ واستحضار هذه الروافد هي استخلاص العبر والدروس، لضمان عدم تكرار المآسي الإنسانية والسياسية التي دفع ثمنها الأجداد. بعد ذلك تحدث ذ اخريف عن الوعي المبكر لمدينة القصر الكبير بالقضايا الوطنية والقومية فلم تكن مدينة القصر الكبير يوما بمعزل عن محيطها العربي والوطني، ويظهر ذلك جليا في مواقفها التاريخية منها: التنبؤ بالقضية الفلسطينية حيث يسجل التاريخ موقف حزب الوحدة المغربية بالقصر الكبير عام 1938 الذي أبان عن وعي سياسي مبكر حين تنبأ بالمأساة التي ستلحق بفلسطين، مما يعكس الارتباط العضوي للمدينة بقضايا الأمة. وأشار إلى أحداث 1956 الدامية بالقصر الكبير حيث انطلقت شرارة الغضب من المسجد الأعظم، لتمتد إلى ساحة مولاي علي بوغالب بعدما واجهت السلطات الإسبانية المواطنين العزل بالرصاص والتعنيف، مما حول المدينة إلى ساحة نضال مفتوحة ضد الاستعمار. وتضمنت مداخلة الأستاذ محمد أخريف الحديث عن العمل الفدائي والدور النسائي بالمدينة فقد برزت القصر الكبير كقلعة للمقاومة المسلحة والمنظمة، فقد كان للمدينة شرف احتضان عناصر من منظمة اليد السوداء والذين كانوا كابوسا يؤرق مضجع المستعمر.
ولم تكن المرأة القصرية غائبة عن المشهد، بل شاركت بفعالية في المقاومة، مقدمة صورا من الصمود والتضحية التي تحفظها ذاكرة المدينة.
وتحدث عن ملحمة 10 أبريل بزيارة محمد الخامس وتحطيم الحدود فاعتبر زيارة الملك محمد الخامس للقصر الكبير في 10 أبريل محطة فارقة في تاريخ المغرب الحديث حيث احتفلت المدينة بالاستقلال قبل الإعلان الرسمي عنه، مما يبرز الثقة المطلقة في النصر وقد استقبلت المدينة الملك والوفد المرافق له بتجمهر كثيف لم تشهد له المنطقة مثيلا، في تلاحم تاريخي بين العرش والشعب. وأشار إلى توجه الملك نحو “الحدود” المصطنعة التي كانت تفصل بين أبناء الوطن الواحد (بين المنطقتين الخليفية والسلطانية)، فكانت زيارته بمثابة تحطيم لتلك الحدود وإعادة وصل ما قطعه الاستعمار، لتستمر الحضارة المغربية في تدفقها الموحد.
إن مداخلة الأستاذ محمد أخريف تعيد الاعتبار للمحلي في صياغة التاريخ الوطني، وتؤكد أن القصر الكبير كانت دائما حاضرة في أبرز المحطات.