نازح عن القصر الكبير – 14 سلسلة القصر الكبير في مرآة الفيضان

منذ ساعتين
Oplus_131072

ذ: رضوان الغازي
في فترة الكوفيد طلب منا الدخول إلى المنازل في حين طلب منا الخروج منها إبان فترة الفياضانات.
لم أتخيل يوما أن أعيش تجربة النزوح عن القصر الكبير. حين بدأت المياه ترتفع، كان الخوف يتسلل إلينا بصمت. حملنا ما خف وزنه وغلا ثمنه، بعد أن تم قطع الكهرباء . وخرجنا نبحث عن مكان آمن، سلكنا طريق الخراشفة المتاح حينئذ . وكل واحد منا يحاول أن يبدو ثابتا حتى لا يزيد قلق الآخرين.
لكن ما إن ابتعدنا عن بيوتنا، حتى اقتربنا أكثر من بعضنا. في تلك اللحظات الصعبة، ظهرت أجمل القيم سيارات خاصة توقفت لتقل العائلات دون مقابل ناهيك عن الحافلات والشاحنات ، و قوات عمومية رفقة شباب تطوعوا لتنظيم النقل نحو أماكن الإيواء، وكأن المدينة كلها قررت أن تتحرك بقلب واحد. لم يسأل أحد: من أنت ؟ بل كان السؤال الوحيد: ماذا تحتاج ؟ وأين الوجهة ؟
في مراكز الإيواء المختلفة ، كان التضامن ملموسا. أعدت وجبات ساخنة بجهود متطوعين، وتقاسم الناس الأغطية والملابس، بل وحتى الشحن الكهربائي للهواتف أصبح فعلا جماعيا منظما . امرأة مسنة أصرت أن تعطي حصتها لطفل صغير قائلة: “هو أولى مني”، فتعلمنا معنى الإيثار دون خطب طويلة.
ورغم التعب، لم تغب الطرافة أحد الجيران حمل جهاز التحكم الخاص بالتلفاز ونسي التلفاز نفسه، فضحكنا جميعا حين اكتشف الأمر. وفي ليلة أخرى، بدأ طفل يقلد مذيع الأخبار مطمئنا “السادة المواطنون ….” فارتفعت الضحكات ، وكأنها إعلان جماعي بأننا ما زلنا بخير.
الأطفال صنعوا الأمل من الألم ، كانوا يلعبون بثقة غريبة، وكأنهم يعلمون أن الكبار سيتدبرون الأمر.
منهم من أدمج في مؤسسات تعليمية مؤقتا ومنهم من تابع دراسته عن بعد وفئة أخرى لم تتمكن من ذلك . تلك البراءة كانت مصدر قوة لنا جميعا. ومع انحسار المياه، بدأ الحديث عن العودة. لم يكن الأمر مجرد رجوع إلى البيوت، بل عودة بقيم جديدة تعاون أكبر، تقدير أعمق للنعم، وإيمان بأن الشدائد تكشف معادن الناس. عدنا نحمل آثار التعب، نعم، لكننا حملنا أيضا دروسا لا تنسى ؛ أن التضامن يصنع الأمان، وأن الإيثار يخفف ثقل المحنة، وأن القصر الكبير ليست مجرد مدينة بل روح جماعية لا تغرق . كنا نعتقد أننا نسكن القصر الكبير حتى أدركنا أن القصر الكبير هي التي تسكننا#الفيضان #القصرالكبير #سلسلةـرمضانية .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading