هل هناك حاجة لمدرسة؟

منذ ساعتين
Oplus_131072

– الأستاذ : نصرالدين زريوح

في زمنٍ يتقدّم فيه الذكاء الاصطناعي بخطواتٍ واسعة، حتى صار يتفوّق على الإنسان في سرعة التحليل، ودقّة الحساب، واستيعاب كميات هائلة من المعلومات في لحظات، تبدو المدرسة وكأنها تقف أمام مرآة قاسية. الآلة لا تنسى، لا تتعب، ولا تحتاج إلى سنوات لتتعلّم ما يمكن تلقينه في ساعات. من هذا المنظور، إذا كانت المدرسة مجرد جهاز لنقل المعارف أو تدريب الذاكرة، فإن ضرورتها تتآكل؛ لأن التفوق التقني للذكاء الاصطناعي يجعلها أبطأ وأقل كفاءة في المجال نفسه.
لكن المسألة أعمق من سباق سرعة بين الإنسان والآلة. المدرسة، ليست مجرد قناة معلومات، بل مؤسسة اجتماعية وثقافية تكوّن الإنسان داخل شبكة من القيم والعلاقات. الطفل لا يدخلها ليحصل على بيانات فحسب، بل ليختبر معنى العيش مع الآخرين، والانضباط، والحوار، والاختلاف. الذكاء الاصطناعي قد يشرح نظرية، لكنه لا يخلق تجربة جماعية يعيش فيها الفرد حدود ذاته ويتعلّم الاعتراف بغيره.
من هنا يتشكل جدل الضرورة وعدمها. إذا ظلت المدرسة أسيرة نموذج قديم قائم على التلقين والتكرار، فإنها ستفقد مبررها تدريجيا، لأن الآلة تتفوق في التكرار بلا ملل. أما إذا أعادت تعريف ذاتها كفضاء لصناعة التفكير النقدي، وبناء الحسّ الأخلاقي، وتعليم الإنسان كيف يسأل ويشكّ ويميّز، فإن ضرورتها لا تزول، بل تزداد إلحاحا. في عالم تنتج فيه الخوارزميات إجابات جاهزة، تصبح القدرة على مساءلة الإجابة نفسها مهارة وجودية.
السؤال إذن ليس: هل نحتاج مدرسة أم لا؟ بل: أي مدرسة نحتاج؟ مدرسة تُنتج أفرادًا يتلقّون ما تقدّمه الشاشات، أم مدرسة قادرة على فهم الذكاء الاصطناعي، واستخدامه، ومحاسبته أخلاقيا؟ التفوق التقني للآلة لا يلغي الحاجة إلى التربية، بل يكشف هشاشة أي تعليم لا يتجاوز حدود المعلومة.
في النهاية، ضرورة المدرسة تتحدد بالصورة التي نريدها للإنسان. إن أردناه كائنا وظيفيا يستهلك المعرفة الجاهزة، فقد تكفيه الخوارزميات. أما إن أردناه فاعلا حرا يصنع المعنى ويتحمل مسؤولية قراراته في عالم سريع التحول، فوجود المدرسة – بصورتها المتجددة – يظل ضرورة قبل أن يكون خيارًا مؤسساتيا. هنا لا يكون التفوق للآلة هو نهاية الحكاية، بل بداية سؤال أعمق عن الإنسان نفسه.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading