
ـ بقلم : ذ . عبد المالك العسري
الحلقة :الحادية عشر (النهر في الثقافة الشعبية )
في الثقافة الشعبية المغربية يحتل النهر والفيضان مكانة رمزية مكثفة تتداخل فيها الذاكرة الجماعية ، النهر مجرى مائي، لكنه كائن حيّ في المخيال الشعبي القصري و المغربي عموما ، له ذاكرة ،له مشاعر يغضب ويرضى ، عند ضفاف نهر لوكوس، كما عند غيره من أنهار البلاد، تشكل وعي جماعي خاص بالماء، تشكل من التعايش الطويل مع الفيضان، ومن انتظار الخير والخوف من الهلاك في آن واحد.
في الثقافة الشعبية، لا يذكر النهر إلا مقرونا بالحذر. تقول الأمثال إن “الماء اللي كيعرف طريقو ما كيرحم”، في إشارة إلى الفيضان حين يعود الى مجراه القديم . ويقال أيضا إن “الواد اللي يضحك يغرق” ، وهي حكمة وتجربة أجيال أدركت أن صفاء الماء لا يعني أمانه. هكذا تحول النهر إلى درس ، يعلّم الانحناء اما قوة الطبيعة ، ويعلم ان العيش بقرب النهر مشروط بالحذر واليقظة
“الما ما فيه امان ولو وصل للركبة ”
” الشكوى على الواد ” بعض الناس يتطيرون من سماع شكوى الاخرين ،فالواد الملاذ الاخير ليس لان باستطاعته رد ما ضاع بل بجبروته وقوته واتساعه قادر على استيعاب شكوى الناس حين تضيق صدورهم يستقبلها بصدره الرحب دون انكار ولا وعد بالحل
“الما والشطابة لقاع الواد “من الأمثال الشعبية العميقة الدلالة، ويُستعمل للتعبير عن القطيعة التامّة واستنفاد كل إمكانيات الصلح أو الرجوع،فالواد في المخيال الشعبي المغربي رمز للنهاية التي لا عودة بعدها. رمي الشطّابة في قاعه يعني التسليم، كما يعني القبول بأن ما مضى قد جرفه التيار
“هزنا الما ” ، يحيل المثل إلى لحظة دخول الماء على غير انتظار: حين يهزّ الماء الجسد أو المكان، يفقد الإنسان توازنه، ولا يعود واقفًا على أرض صلبة
يربط بين الفيضان وضياع الخصوصية والكرامة،.«الماء إذا دخل للدار يخرج الحشومة ..
في المخيال الشعبي القصري ارتبط اسم عائشة قنديشة بالواد ، أخذت الأسطورة ملامح محلية خاصة، جعلت من النهر مسكنًا لها وفضاءً لظهورها ، في عتمة الليل تختفي بين القصب وتغوي العابرين قبل ان تنقض على من يطيل النظر اليها او الاقتراب منها ، في طفولتنا ونحن نتامل هيئة ولد الفلاقية مجنون زماننا ،كان يقال لنا على انه كان شخصا جميلا قوي البنية ذات يوم طاردته الشرطة ولم يجد بدا من الارتماء في النهر من اعلى القنطرة ويومها احتضنته عائشة قنديشة ونزوجته وذهبت بعقله وحولته على هيئته كي لا تشاركها احدى النساء فيه
عائشة قنديشة التي كانت تسكن البناتيين منطقة بواد لوكوس تناسلت حولها الاساطير لغرق العديد من الناس خصوصا الاطفال الذين يسبحون بها ، منطقة عميقة يقال لا قرار لها وقيل بوابة نفق مائي طويل يفضي الى الجامع الكبير .
لذلك،فالامثلة والاساطير لم تكن مجرد خرافة للتسلية، بل وسيلة غير مباشرة لتحذير الناس، خاصة الرجال والشباب، من الاقتراب من النهر ليلا