ميمونة ،سيرة قرية تحت الماء ، الحلقة : 12 من سلسلة القصر الكبير في مرآة الفيضان ،سلسلة رمضانية

منذ ساعتين
Oplus_131072

الدكتور :العلمي الدريوش
نهر لوكوس العظيم ، بقدر ما يهب من خيرات بقدر ما يصنع من مآسي ومفاجآت. فعلى امتداد تاريخ طويل غيرت سيوله الجارفة سهولا وتلالا ومحت تجمعات سكنية كثيرة. لكنه من جهة أخرى كان على الدوام مصدر رزق كبير .
سنقف اليوم عند قرية كانت ضحية من ضحايا سد وادي المخازن .ففوق تلة صغيرة تطل على وادي لوكوس من جهته اليسرى كانت توجد قرية صغيرة تعد من أجمل القرى. الدور تطل على بعضها بعض وهي تنحدر من الأعلى نحو الأسفل حيث يجري بمحاذاتها النهر. هذه القرية كانت تسمى ميمونة ، وفي مواجهتها على الضفة اليمنى تنتصب ثلاث قرى متجاورة، هي خندق الحمراء وبني امعافة والصباب. وكانت ميمونة محط العبور لعديد من سكان المداشر فوق دوابهم في اتجاه مدينة وزان. وعلى يسارها توجد قرية بني خلاد مسقط رأس الشاعر المرحوم محمد السكتاوي. كانت القرية تنعم بالهدوء ورفاهية العيش إذ تمتد حقولها على الضفة الخصيبة الوادي حيث البساتين الشاسعة. وبحكم أنها كانت تشترك مع خندق الحمراء في سهل كبير يعد أغنى وأخصب سهل على امتداد ضفتي وادي لوكوس وهو المسمى ببوحيات، فقد مكن هذا ا لسهل سكانها من الاختلاط اليومي بالحمراويين ومشاركتهم العيش والممتلكات. كانت تنتشر في هذا السهل عشرات البساتين التي تحضن الآلاف من أشجار الرمان والتين والزيتون.. كما كان مرتعا للأبقار والأغنام والخيول إذ لا تكاد تخلو دار من تربية الخيول. وبحكم المسافة بينه وبين ميمونة كانت صغيرة يمر فيها مجرى اللوكوس كان رجال القريتين ينصبون في الليل شباكهم لصيد الشابل والورس، وفي الصباح يتقاسمون غنيمتهم الوافرة من هذين النوعين من السمك الذي كان يهاجر من البحر إلى هذه المنطقة خصوصا. وكان والدي يحكي لي مرارا عن رجال المقاومة الذين كانوا يعبرون من خندق الحمراء حيث النفوذ الإسباني إلى ميمونة الخاضعة للنفوذ الفرنسي عبر هذه المسافة الضيقة من النهر. رجال المقاومة كانوا ينفخون القرب المصنوعة من جلد الماعز ويملأونها بالسلاح ثم يركبون فوقها ويعبرون ليلا.
ومع تشييد سد وادي المخازن تم ترحيل معظم سكان قرية ميمونة إلى قرية توجد خلفها تسمى مدشر اعراب ، ولم تبق من القرية إلا بعض الدور القابعة فوق الهضبة. وسرعان ما بدأت مياه السد ترتفع وتقترب من المساكن المتبقية ليفر سكانها في اتجاه القصر الكبير ومناطق أخرى. وهكذا غمرت المياه القرية بالكامل وأنهت حياة قرية كانت تنعم بالأمن ويسر العيش. هذا جزء منسيرة قرية أخرى تنضاف آلى سير الصباب والجزء السفلي من بني امعافة. كلما تذكرت طفولتي تذكرت ميمونة التي طالما عبرت إليها سباحة . ولا زالت ذاكرتي تحتفظ بوجوه بعض من أهلها الذين كانوا يتقاسمون معنا بعض البساتين المشتركة. ومع عودة الذكرى يعلو من الماضي صوت زوجة أخ زوجة عمي التي كانت تاتي عندنا من ميمونة ، وكنت أسمعها تغني بصوتها الحزين عن بداية تشييد سد وادي المخازن واجتثاث البساتين:
أيما على السد الهاني يا يما
الهمهاما كتهدم
واكتامة تبكي بالدم يا يما
على السد الهاني.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading