
بقلم: أسماء التمالح
استشاط سد وادي المخازن غيظا وصب غضبه على نهر اللوكوس بالقصر الكبير، وصار الأخير يهدد حياة الساكنة فلم يكن هناك حل أمثل من أن يغادر القصراويون مساكنهم ومدينتهم إلى خارجها طلبا للأمان واستجابة لأوامر السلطة التي باتت تحاصر خطر الفيضانات بالمدينة، وهي تضع نفسها في حالة استنفار تام مجندة كل الآليات والفرق الأمنية في سبيل الحفاظ على حياة الناس وإنقاذ أرواحهم.
سلمت الفيضانات سكان مدينة القصر الكبير للمجهول، فشرعوا يرحلون تباعا تلبية لنداءات السلطات، كل يتخذ وجهة مختلفة عن الأخرى تلتقي جميعها في نقطة الإخلاء والنزوح القسري لمناطق وأماكن خارج المدينة الأم، وماذا بعد؟؟
ماالذي ينتظر القصراويين بعد الرحيل عن القصر الكبير؟ هل هم في محط المودع للأبد أم أن هناك عودة جديدة ستكتب لهم؟ متى؟؟ وكيف؟
لا أحد يملك الجواب، ومن بيدهم كل القرارات منشغلون في السيطرة على بواعث الخطر، مركزون في مدى القدرة على التحكم بالسد والنهر كي لا يحدث مالا تحمد عقباه.
كللت عمليات التدخل الإستباقي بالنجاح والحمد لله، انفرجت الغمة على أهل مدينة القصر الكبير، ومثلما أعطي الأمر بالمغادرة صدر الأمر بالعودة إلى المساكن والبيوت بالمدينة، وبينما جميع سكان مدينة القصر الكبير يعيشون تحت وقع الصدمة وفجأة القدر تلقفتهم أيادي الملك – حفظه الله – بعد أيادي الرحمان جل جلاله، ومثلما سعى – شافاه الله وعافاه – منذ البداية إلى رفض تسجيل أي حالة وفاة في صفوف المواطنين بتسخير كل القوى العسكرية والأمنية مدججين بمعدات متطورة، عاد جلالته – نصره الله- ليتدخل من جديد بعد منح إذن الرجوع للقصراويين لمدينتهم، فبعث إليهم هدية ملكية بمجرد التحاقهم ببيوتهم تمثلت في معونة غذائية تلبي الإحتياجات اليومية في انتظار أن تستعيد مدينة القصر الكبير قوتها، وينهض اقتصادها، وتعود الحياة بها إلى طبيعتها الأولى بعد توقف اضطراري فرضته الفيضانات التي غمرت الكثير من الأحياء والشوارع والبيوت والمحلات وأضرت بها.
لم يتوقف ملك المغرب عند هذا الحد، بل أعطى تعليماته السامية بتخصيص مبالغ مالية مهمة لرفع الأضرار عن المدينة وساكنتها، حيث أمر بإيداع مبلغ مالي مهم لكل أسرة متضررة من الفيضانات غادرت منزلها خارج المدينة وتحملت نفقات لم تكن على استعداد لها، كما أمر بوضع مبالغ مالية أخرى لا تقل أهمية من شأنها أن تجبر ضرر أصحاب المنازل والمحلات التجارية من الفيضانات، إلى جانب مبالغ ثالثة تصب في ضرورة الاهتمام بالبنية التحتية للمدينة وهيكلتها كي تتفادى تكرار نفس الأزمة مستقبلا.
حل شهر رمضان المعظم ومدينة القصر الكبير في وضع إستثنائي غير مسبوق، يسابق أهلها الزمن لاستقباله وإن لم يكن نفس الاستقبال المعهود لهم به، فأعلن الملك محمد السادس – شافاه الله – عن تكفله بإفطار ألف صائم من متضرري الفيضانات بمدينة القصر الكبير طيلة الشهر الفضيل تقبل الله منه وأثابه حسن الثواب.
لم يتخل الملك محمد السادس حفظه الله عن واجبه اتجاه مدينة القصر الكبير، تلك المدينة التاريخية التي زخرفت جزءا بارزا من تاريخ المملكة المغربية بمداد من ذهب عبر معركة وادي المخازن الشهيرة، ولم يدخر جهدا في أن يشمل سكانها برعايته السامية، والتي لم تقف عندها فحسب بل امتدت لمنطقة الغرب المجاورة لها أيضا، وكأنه- رعاه الله – يقدم دروسا لغيره في التحلي بالمسؤولية، فيعلم خدام أعتابه الشريفة أن المناصب تكليف وليست تشريف، وكل ذي منصب عليه أن يكون سباقا لاجتثاث المخاطر حيثما حلت وأينما وقعت في تواضع تام وخدمة متفانية من أجل الصالح العام الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بمصلحة الوطن.
هو ذا ملك المغرب، وهي ذي مواقفه النبيلة في مواجهة الأزمات والتخفيف من حدتها على شعبه الوفي، التفاتاته تأتي بالبشارة والخير، وتبعث على الرضا والفخر في نفوس المواطنين، وكم نأمل أن يسير من تحته – نصره الله – على نهجه، ويخدمون الوطن بجد وإخلاص وهم ينصتون لمعاناة الناس ويمسحون دموعهم ويصونون كرامتهم، بدل تركهم يصارعون لوحدهم وقد أصموا آذانهم إلا عن مصالحهم الشخصية وثرائهم الفاحش الذي يبنونه أحيانا على تفقير من دونهم من المواطنين.
شكرا للعاهل المفدى جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، شكرا لكل الجنود المجندين بضمير يقظ، وحب قوي للوطن ولخدمة المواطنين في انصهار كامل مع ما يلم بهم من فواجع ومحن. دمتم حماة للوطن وصانعي المجد في كل مرحلة وتاريخ.