
ـ بقلم الاستاذ : احمد العبودي
من أكثر الظواهر إزعاجا في الفضاء المدرسي ، أثناء الحصة الدراسية، أن ينصرف المدرس عن متعلميه إلى هاتفه المحمول؛ يجري مكالمة، أو يجيب عن اتصال، أو يجوب أودية الشبكة العنكبوتية، وكأن ما يجري داخل القسم هامشي، أو قابل للتعويض.
لا شكّ أن لهذا السلوك بعده القانوني والتشريعي، غير أن ما يعنينا فيه، بدءا وانتهاءً، هو بعده التربوي النفسي. ذلك أن المتعلمين، وهم يشاهدون مدرسهم وقد أعرض عنهم وولّى وجهه شطر عالم خفيّ، لا يمرّون على المشهد مرور الكرام، بل تتشكّل لديهم ردود فعل صامتة، تتفاوت حدّتها باختلاف طبيعة العلاقة التي تربطهم بمدرسهم، وبحسب ما إذا كان هذا السلوك عارضا أم متكررا.
ففي كثير من الأحيان، يتحوّل هذا الشعور إلى احتجاجٍ صامت داخل القسم، وصاخب خارجه. احتجاجٌ يُعبَّر عنه بأساليب تتناسب مع أعمار المتعلمين، ومستوى نضجهم الذهني والعاطفي، ومع درجة الاشمئزاز أو الاستياء الذي يولّده لديهم هذا السلوك السلبي. ساعتها يحاولون، كلٌّ من موقعه، فهم تصرّف مدرسهم على ضوء تمثّلاتهم الخاصة، ليس عن مجرد موظف في إدارة عمومية يمنح نفسه حقّ تجاوز القانون وإنما رجل التربية ورهان التغيير الحضاري.
وهكذا فالصغار، كتلاميذ المدرسة الابتدائية، غالبا ما يحصرون وظيفة الهاتف الذكي في اللعب أو الفرجة، بينما يرى فيه تلاميذ الإعدادي أداة لإثبات الذات ووسيلة للتواصل والتسلية العابرة. أمّا تلاميذ التأهيلي، فينظرون إلى استعمال الهاتف داخل الفصل نظرةً أكثر حدّة؛ غالبا ما يواجهونه بالرفض والامتعاض، بل بإصدار أحكام جزائية غير معلنة في حق المدرس.
ولا يتوقّف أثر هذا السلوك عند حدود القسم، إذ سرعان ما تُنقل “الوضعية” إلى خارج المؤسسة، وتحديدا إلى الأسر. هناك تُحلَّل “الوضعية المهنية” بأدوات مختلفة، وبمرجعيات قد تكون قانونية أو عرفية أو دينية، من غير أن يكون للمدرس أي دخل في ضبط مسار تأويلات أفراد الأسرة، تماما كما لم يسمح هو للمتعلمين بالتدخل في “شأنه الخاص” حين كان منشغلا بهاتفه. وبمعنى آخر، تُعقَد للمدرس “جلسة علنية” غير رسمية للمساءلة، يُعرَض فيها سلوكه على أنظار “المجلس الأسري”.
ليس هذا المقام مناسبا للخوض في منطق الحق والواجب، ولا في أخلاقيات المهنة بصيغتها المعيارية المباشرة، بقدر ما هو مناسبة للتنبيه إلى خطورة هذا السلوك حين يقع بين طرفين غير متكافئين: مدرسٍ راشد مسؤول، ومتعلّمٍ غالبًا قاصر لا يملك وسيلة للاحتجاج. والأخطر من ذلك أنه سلوك يمسّ علاقة تربوية ذات طابع شبه قدسي، لا تسمح طبيعةُ رسالتها أن يُخلّ الطرف الأقوى فيها بالتزامه الرمزي قبل الواجب المهني.
لقد عرف الفصل الدراسي، في فترات سابقة، سلوكات لا تقلّ سوءا: كالتدخين، أو تصفّح الجرائد، أو الانشغال بحديث عابر بين المدرسين في الأقسام المتجاورة. غير أن تشغيل الهاتف أثناء الحصة أصبح اليوم أكثر لفتا للنظر وأكثر استفزازا. فإن كان يتمّ في خفاء، فهو أهون في قبحه، وإن كان يتمّ على مرأى ومسمع من التلاميذ، فهو رسالة تربوية سلبية بامتياز.
والمفارقة أن البعض لا يعبأون بأعين المتعلمين وتربصهم، ولا بوعيهم المتنامي. فالمطلوب أن يبقى الوازع الداخلي حيا يقظا، وأن تظل جذوة حساسية القدوة متقدة ، وإلا صار كلّ شيء مباحا، ولو كان الثمن هو تقويض الثقة التي تقوم عليها العملية التربوية برمّتها.