المغرب لم يخسر بل كسب احترام القارة والعالم – ذ. محمد الشدادي

20 يناير 2026


– ذ. محمد الشدادي :
(وركلة دياز تقول: نفضل الأخوة والتلاحم الإفريقي على تسجيل هدف في لحظة انقسام)
……………………………………
البارحة، عاشت الجماهير المغربية حسرة غير متوقعة بعد خسارة المنتخب المغربي أمام نظيره السنيغالي في نهائي كأس إفريقيا. لكن الحقيقة أن المغرب لم يخسر، بل كسب احترام العالم، وكتب اسمه في سجل الشرف الإفريقي، ليس فقط من خلال الأداء الرياضي، بل من خلال قيمه ومواقفه ومبادئه. فمنذ انطلاق البطولة، أظهر المغرب كرما استثنائيا وتنظيما احترافيا، وكان حريصا على أن تكون هذه النسخة من كأس إفريقيا عرسا قاريا يوحد ولا يفرق.
فمن ناحية التنظيم، ومن حيث التلاحم بين الشعب والقيادة، أظهر المغرب وجها مشرفا للقارة والعالم. لقد اجتمع المغاربة، ملكا وشعبا، على هدف واحد يتمثل في إنجاح هذه المحطة الرياضية بكل فخر وكرم. وقدموا واحدة من أجمل نسخ كأس إفريقيا، وأثبتوا أن المغرب بلد مضياف، قادر على احتضان القارة بكل حب واحترافية.
لكن بعض من لا يسرهم نجاح المغرب وخاصة أنه مقبل على احتضان كأس العالم 2030 إلى جانب جيرانه إسبانيا والبرتغال، منذ البداية، ظلوا يشيعون الشكوك والاتهامات حول منظمي هذه المنافسة الإفريقية، مشككين في قدرة البلد المنظم، بل وذهبوا إلى حد التشكيك في نزاهة التحكيم، بدعوى أنه سيكون منحازا لصالح المغرب.
وتجدر الإشارة أن الاحترام وحسن الضيافة والاستقبال المغربي قد شمل كافة الوفود الإفريقية، ومن أبرز صور هذا الاحترام والتقدير، أن المنتخب السنيغالي أدى صلاة الجمعة بإحدى مساجد مدينة طنجة، قبل يومين من مباراته ضد المغرب، فاستقبلوا من طرف المصلين بكل حفاوة وترحاب، وقدم لهم بعض المواطنين هدايا رمزية تعبيرا عن الأخوة والمحبة.
ورغم هذا الاستقبال الإنساني النبيل، خرج الاتحاد الكروي السنيغالي ببيان، و مدربه في تصريح غريب بالعاصمة الرباط، يدعون فيه أن الفريق غير راض على عدد من المسائل: كالترتيبات الأمنية المحيطة باللاعبين، والإقامة المخصصة للطاقم، والملعب المخصص للتدريبات، رغم أن اختيار مكان الإقامة والتدريب تم بالتنسيق مع اللجنة المحلية المنظمة للكاف، وبموافقة الوفد السنغالي نفسه، في محاولة لتشويه صورة البلد المنظم، وكأنهم يمهدون لمسرحية الانسحاب التي أخرج آخر فصولها لاحقا في المباراة النهائية مدرب الفريق، الذي شكك في الندوة الصحفية قبل المباراة النهائية وأطلق تصريحات مستفزة. وهذا يظهر أن نية المنافسة الشريفة ربما لم تكن حاضرة منذ البداية عند المدرب وعدد من أعضاء طاقمه، بل كان هناك توجه نحو التصعيد والتشكيك في التحكيم، وتقمص دور الضحية.
ثم جاءت النهاية غير المتوقعة لتفند كل تلك الادعاءات، وتسقط ما روج من شكوك وافتراءات. ففي قلب المباراة، وعند إعلان الحكم عن ضربة جزاء واضحة لصالح المغرب، رفض المدرب السنغالي تطبيق القرار، في مشهد مسرحي غريب عن الروح الرياضية، وطلب من الفريق الانسحاب، وكأنه يلعب في دوري الأحياء ببعض المدن، وتوقفت المباراة لما يقارب 20 دقيقة، خلالها فقد اللاعبون المغاربة تركيزهم على المباراة، لأن ما شغلهم لم يكن الفوز بالكأس، بل الحفاظ على الأخوة مع إخوانهم السنيغاليين، والحفاظ على هذا الإنجاز العظيم لنجاح هذه النسخة من كأس إفريقيا، حيث توجه العديد من لاعبي المنتخب المغربي، بمن فيهم المدرب وليد الركراكي، نحو لاعبي السينغال يستعطفونهم للعودة، بدل المطالبة من الحكم بإنهاء المباراة وإعلان فوز المغرب، رغم أن الخصم كان قد غادر الملعب والتحق معظم لاعبيه بغرفة الملابس. لكن وسط هذا المشهد المتوتر تغلب صوت العقل لدى بعض لاعبي المنتخب السينغالي، وعلى رأسهم النجم ساديو ماني، الذين رفضوا الانسياق وراء قرار مدربهم بالانسحاب، فقد أدرك هؤلاء أن الانسحاب من النهائي ستكون له عواقب قانونية على مستقبل الفريق، ولا يسيء فقط إلى صورة الفريق، بل يلحق الضرر بسمعة الكرة الإفريقية ككل. وبفضل تدخلهم عاد الفريق إلى أرضية الملعب، واستكملت المباراة، في لحظة أنقدت ما تبقى من الروح الرياضية، وأثبتت أن اللاعبين أحيانا يكونون أكثر نضجا من مدربهم.
وبعد عودة أعضاء الفريق المنسحب. وفي خضم هذا الارتباك، وجو تشتيت التركيز تقدم إبراهيم دياز هداف هذه النسخة من كأس إفريقيا، لتنفيذ ضربة الجزاء، لكن تسديدته كانت جد ضعيفة، وكأنها تقول:( نفضل الأخوة والتلاحم الإفريقي على تسجيل هدف في لحظة انقسام). ولا يستغرب هذا الفعل من لاعب اختار اللعب بقميص المغرب بدل قميص المنتخب الإسباني؟ فمن اختار الانتماء إلى إفريقيا، لا عجب أن يقدم الوحدة على الانتصار، والمبدأ على الهدف.
وبعد انتهاء المباراة وفوز السنيغال، توجه الركراكي نحو مدرب الخصم ليهنئه ويمد له يده مصافحا، كما تقتضي الأعراف الرياضية، لكنه رفض المصافحة وأدار وجهه في الاتجاه المعاكس، في تصرف لا يليق بنهاية بطولة قارية، ولا يعبر عن الروح التي يجب أن تسود بين الأشقاء.
وهنا تبرز زاوية نفسية مهمة:
من المعروف في علم النفس الرياضي أن بعض الأشخاص الذين يستهويهم الفوز، يرفضون تقبل الخسارة بروح رياضية. ويبدو أن مدرب السنيغال، حين أدرك قوة المنتخب المغربي، وشعر بأن الكأس قد لا تكون من نصيب منتخبه، لأن المنتخب المغربي يلعب بين جمهوره، بدأ في اختلاق التشويشات والافتراءات، لا دفاعا عن فريقه، بل دفاعا عن صورته الشخصية أمام جمهوره ووسائل الإعلام. ففي حال فوز المغرب، كانت الانتقادات ستنصب عليه، وربما يطالب باستقالته. لذا، كان لا بد من خلق مبررات مسبقة تخفف من وقع الهزيمة، وتحول الأنظار من الأداء إلى الظروف، ومن النتيجة إلى المؤامرة. واختار المدرب هنا أن يلعب دور الضحية بدلا من القائد المسؤول، فهو لم يدافع عن فريقه، بل عن نفسه، وفضل أن يقدم نفسه كضحية لمؤامرة مزعومة، بدل أن يتحمل مسؤولية النتيجة. وهذا السلوك وإن كان يكسبه تعاطفا لحظيا، إلا أنه يفقده احترام الرياضيين الحقيقيين، ويسيء إلى صورة الكرة الإفريقية التي تحتاج إلى نضج لا إلى دراما.
ماذا ربح المغرب من هذه المنافسة؟
أظهر المغرب أن الرياضة ليست فقط نتائج، بل قيم، وأخلاق، ورسائل سامية، وحقق نجاحا تنظيميا باهرا بشهادة الجميع، وقدم واحدة من أفضل نسخ كأس إفريقيا تنظيما واستقبالا. في جو سادت فيه روح وحدة وطنية ملهمة جسدت التلاحم بين الملك والشعب، وبين الجماهير والمنتخب، وكان درسا في الوطنية والانتماء.
وأظهر المغرب صورة مشرقة لإفريقيا، وجسد نموذجا يحتذى به في التنظيم والضيافة، ورفع راية القارة عاليا. مرسلا رسالة حضارية للعالم مفادها أن إفريقيا قادرة على تنظيم تظاهرات كبرى باحترافية، وأنها تسير بخطى واثقة نحو النضج الكروي والمؤسساتي.
وتبقى الرسالة الختامية هو أن المغرب لم يخسر شيئا، بل كسب قلوب الشعوب، وأثبت أن الرياضة الحقيقية تبنى على الأخلاق قبل الألقاب، أما من اختار التشكيك بدل الشكر، والانفعال بدل الاحترام، فقد خسر احترام الجماهير، وأسهم في تشويه صورة القارة التي ينتمي إليها، وأساء إليها.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading