
– لبيب المسعدي .
التقطت هاته الليلة بعضا من باريس بمرآة سيارتي الداخلية. التقطت انكسارا نادرا. ليس انكسار زجاج، بل انكسار قناع. كانت المرآة نفسها شاهدة على مسافة لا تقاس بالأميال، بل بطبقات من الوجود المتصنع.
زبونة مغربية .. طلبتني من فندقٍ شعبي قرب “باب كليشي”، حيث تتعلق الأحلام على حبال غسيل علق بين النوافذ. صعدت الفتاة الشابة بظل أنيق. لمحت وجها في الزجاج المظلم قبل أن يصعد: محايد، باريسي النفس، محكم الإغلاق كرسالة رسمية. بعد التحية، نادت العنوان بالفرنسية المتقنة، ربما اعتقدت أنني فرنسي. يا للغرور الصغير الذي تمتلكه المدن، حين تظن أن بإمكانها طمس كل الجذور تحت عجلاتها.
انطلقت. ثم بدأ الهاتف رنينَه المتقطع كاسرا الصمت القاتل، كمن يقرع أبوابا متعددة لشقة واحدة مهجورة.
المكالمة الأولى: من الخليج. اطلقت الزبونة عنانها فانسابت من فمها لهجة الرمال الذهبية والحنو المكتسب. كانت تضحك بثقة المتمرس على مسارح الذكورة العابرة. وكانّها تتاجر بعبارت الحب والهيام مع زبون وفي في سوق أجساد النساء. كان صوتها دافئا، سائلا، كالعسل. كانت تتكلم وكأن الشمس في صوتها، وكأنها ترعرعت بين كتبان أبو ضبي أو الشارقة، أي من شخصياتها كان يحتضن هذه الشمس المستعارة؟
المكالمة الثانية: من مصر. قبل أن يبرد أثر الدفء، انقلبت إلى نيلية رخيمة. نبرتها أصبحت مسرحية مرحة، تحمل في طياتها نغمات الأغاني والأفلام المصرية القديمة. تذكرت الفنانة ليلى مراد في أدوار الدلع.
المكالمة الثالثة: المغرب. هنا، مع الصديقة، سقطت أولى القشور. اللهجة صارت ترابية، دارجتنا المحكية، لغة الأسرار والتذمر. قالت “…ساعة ما نفوتاش مع دين مو.” جملة مفتاحية، مفتاح لسجن غير مرئي. “دين مو”… دين المادة السائد، دين باريس الذي لا يعترف إلا بلغة الأسعار والعقود والوجوه اللامعة. إنها تعلم أنها داخل هذه “الساعة” الزمنية القاسية، حيث توزن الروح والجسد بميزان المال.
ثم جاء نداء الأمومة، المكالمة الرابعة. فجأة، تحوّلت الزبونة-الممثلة إلى طفلة. الصوت رقيق، هش، يحمل رطوبة وطن بعيد. ” كوني هانيا أمامًا ” ما تخفي عليا من والو” دعي معايا ! “أمين، أ الحبيبة ديالي”
هنا عبارة “أمين” لم تكن مجرد اسم. كان طوق نجاة، كان تعويذة تمسك بها كي لا تُجرفها أمواح المدينة. كان الاسم الأخير الذي تعلقه بهويتها الحقيقية قبل أن تغرق في بحر الأقنعة.
نظرت إليها في المرآة. كانت الدموع قد حفرت خنادق صغيرة تحت مكياجها المتقن. رأيت وجه فتاة ربما من القنيطرة أو الخميسات او الدار البيضاء، لا أدري. ربما جلست على درج البيت القديم يوما تحلم بباريس كصورة في مجلة. الآن، باريس الحقيقية تلتهمها قطعة قطعة، وتقدم لها، مقابل كل قطعة، قناعا جديدا. الشجاعة في عينيها كانت شجاعة الواقف على حافة الهاوية، يعرف أنه سيسقط، لكنه يقرر أن يسقط وهو يرفع رأسه.
وصلنا للفندق الراقي. الواجهة رخامية، تلمع كأنها تضحك على بؤس العالم الخارجي. التقطت في عينيها، قبل النزول، ارتباك الغريب الذي يعرف أن الفندق ليس بيتا، وأن الرفاهية ليست حبا. قلت لها: “الله يديرلك شي تاويل الخير أختي.” كانت كلمة ” أختي” محاولتي لرمي جسر من الوطن إليها، عبر هذا البحر من الاغتراب.
تفاجأت من هويتي، أجابتني مرة أخرى بعبارة “آمين” تم غادرت بعد ان أقفلت باب بسيارتي بهدوء. مشيتها كانت بطيئة، كأنها تحمل أعباء جميع الشخصيات التي اضطرت أن تكونها في نصف ساعة. دخلت باب الفندق الدوار، فالتهمتها باريس مرة أخرى.
بقيت في مكاني. رائحة عطرها الفاخر المعلب تتصارع مع رائحة النعناع الجاف الذي أضعه في سيارتي ذكرى للوطن. أدركتُ أننا، نحن المغاربة على هذه الأرصفة، نصير أحيانا مقاومين لأشباح هوياتنا. نحملها في جيوبنا، ونخرجها خلسة عند الحاجة، كصور بالية نتباهى بها في الخفاء.
لكن هذه المرة، شاهدت كيف يمكن لهوية واحدة أن تتشظى إلى أربع لغات، وأربع شخصيات، في رحلة واحدة من الفندق الشعبي إلى الفندق الفاخر. ليست المسافة كيلومترات، بل هي درجات في سلم اجتماعي صارم. وليست الأقنعة خيارا، بل هي أحيانًا أسلحة الضعيف للبقاء في ساحة المعركة.
قادتني سيارتي بعيدا. باريس هذه الليلة بدت كمسرح عظيم، كل أضواء الغولة موجهة لأبطال مجهولين يمثلون مأساتهم دون جمهور. وأنا؟ كنت مجرد كاتب عرضي في الظل، التقطت فصلا من رواية لم تكتب بعد، عن فتاة تائهة تبيع أصواتها أشياء أخرى لتشتري حلما، وتخشى أن يتبخر الحلم، فلا يبقى لها إلا أصواتها المستعارة، وعبارة “أمين” تهمسه في الظلام، كصلاة لا يعرفها إلا الله.
#لبيببات
باريس 2013